فهرس الكتاب
إن إظهار العقيدة المادية وإنكار المبدأ والمعاد عقيدة متطرّفة وجُزافٌ إذ إنه من اليقين أن القائلين بها ليس لهم أية إحاطة بجهات وحيثيات العوالم غير المحدودة كي يمكنهم أن يجزموا بهذا الإنكار استنادًا إلى إحاطتهم التامة بكل الوجود, والأمر ذاته بالنسبة إلى الآخرين الذين تلقَّوا عنهم هذه العقيدة المادية وقبلوها، فهم لم يستطيعوا بالتأكيد أن يتصوروا المبدأ وما وراء الطبيعة في العالم ولا أن يدركوا كنه حقيقة هذا الأمر فلذا قاموا بإنكاره, وإنكار شيء بسبب الجهل به وعدم الإحاطة بحقيقته يتنافى مع حقيقة «العلم» ، لأن حق «العلم» أنه عندما يعجز العالم عن تصور كنه شيء ما فإنه يدع هذا الشيء بحالة الإمكان فلا يذعن لوجوده ولا ينكره. أضف إلى ذلك أنه لو فرضنا أن شخصًا ما لا يؤمن بالمبدأ والمعاد، فإنه ينبغي عليه - لأجل انتظام أمر الدنيا وطمأنينة قلوب عامة أبناء البشر - أن لا يعارض هذين الأصلين لأن إنكاره للمبدأ [أي لوجود الله] مضر بحال الحضارة البشرية، لأن نشر وجود وحقية وصحة المبدأ والمعاد يمثل ناظمًا باطنيًا ومُخَوِّفًا قلبيًا ومهدِّئًا روحيًا وعاملا رادعًا للجهّال كي لا يقوموا في ظلام الليل وخلوة البيداء والبيت بإيذاء الآخرين، إذ إن أفضل وأكمل رادع باطني يمنع من ارتكاب القبائح هو الاعتقاد بحقيقة المبدأ والمعاد [أي: الله واليوم الآخر] وترسيخ هاتين العقيدتين في قلوب عامة بني البشر، لأن نشر العقيدة المادية المتطرفة والجُزاف يؤدي إلى إرخاء العنان للشر والسماح للأقوياء بالتعدي على الضعفاء مما يتنافى بحد ذاته مع دعوى الحضارة والإنسانية والمساواة والأخوّة. إذن من اللازم على كل حكيم وعاقل ومدَّع للإنسانية أن يروِّج للإيمان بالمبدأ والمعاد حتى لو لم يكن يعتقد ذاتًا بذلك.