فهرس الكتاب
إذا تأمّل الإنسان في حقيقة الأمر تأملًا فلسفيًا متجردًا ونزيهًا ودرس الموضوع بدقة لرأى أن نشر العقيدة بوجود المبدأ والمعاد لا يتنافى أبدًا مع أي حرفة قديمة أو جديدة أو أي اكتشافات خارقة في طيّ البحار والبيادي أو الطيران في الهواء أو الرقيّ فيما هو أعلى من ذلك. بل إن مثل هذه العقيدة تنظم هذه الأمور، بعكس عقيدة إنكار المبدأ والمعاد التي تتناسب مع الحيوانية التي هي «جنس» الإنسان ولا تتناسب مع الناطقية التي هي «فصله» المميز له [1] . فناشرو عقيدة إنكار المبدأ والمعاد متوغلون في «الجنس» المشترك للإنسان فقط [أي حيوانيته التي يشترك فيها مع سائر الحيوانات] ومعرضون عن لوازم «فصل» الإنسان الذي هو النطق. إنه من العجب العجاب أن يقوم الإنسان الذي يشكل النطق والإدراك صفته اللازمة التي لا تنفك عنه بالتضحية بهذه الصفة السامية في سبيل عقيدة مادية جاهلة وجُزاف ترتكز على الصفة الحيوانية للإنسان فقط أي التي تجمع بينه وبين الفيل والجمل ووحيد القرن وتجعلهم في درجة واحدة. فويلٌ لمن يُخاصمُ نفسَه وينكرُ فصلَه وفضله!!
عندما تدخل أيّة ديانةٍ إلى بلاد جديدة فإن العادات والرسوم الرائجة في تلك البلاد تنضم إلى ذلك الدين بتغيُّر جزئي وتغيِّر تدريجيًا من ملامحه ثم تُعتبر بمرور الزمن - لدى العوام البسطاء - جزءًا من الدين.
(1) يستخدم المؤلِّف كثيرًا اصطلاحي «الجنس» و «الفصل» المنطقيين، وهما من كليات إيساغوجي الخمسة، فـ «الجنس» هو الماهية المشتركة بين الجزئيات المتكثرة بالحقيقة، كماهية الحيوانية المشتركة بين الإنسان والفرس والثعلب والقرد..الخ، أما «الفصل» فهو جزء من مفهوم الماهية المختص بها الذي يميزها عن جميع ما عداها، مثل: الناطقية للإنسان والصاهل للفرس وهكذا... أما «النوع» فهو الماهية المشتركة بين الجزئيات المتكثرة بالعدد فقط لا بالحقيقة، مثل «إنسان» بالنسبة إلى زيد وعمرو وخالد.