فهرس الكتاب
الأمر الأول من تلك الأمور الثلاثة: هو إيجاد العوالم غير المتناهية والمخلوقات التي لا تحصى من الأزل إلى الأبد في أزمنةٍ غير متناهية وأمكنةٍ غير متناهية قبل إيجاد جنس البشر، هذا يشكل صفة ومقام الخالقيّة لِلَّهِ تعالى، وهذه الصفة مختصة بذاته الأحدية فقط، لا يشاركه فيها أحد وليس لأيّ موجود من موجودات عالم الإمكان المحدودة منها أيُّ حظّ أو نصيب، لأن مرحلة الإيجاد تعود إلى هوية الذات الإلهية القدسية المتقدمة بالذات على جميع الموجودات تقدمًا بالعلّيّة، ومشاركة المخلوق للخالق في الإيجاد لا معنى محصل لها، لأن الممكن قد وجد دون أن يشترك في إيجاد ذاته ومشاركة المعلول لعلته التامة في العلية شبيه بالهذيان، وحقيقة التوحيد ووحدانية ذات الحق المقدسة ترجع إلى هذا المقام والصفة، وهذا المقام لا?يختص بذوي العقول مثل الملك والجن والإنس بل يشمل جميع الموجودات العاقلة منها وغير العاقلة من الكائنات البسيطة أو المركبة أو الكواكب التي لا?حصر لها وكل ملحقاتها وكلها تقول بلسان الحال {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي كل الموجودات تضيف الرب إلى ذاتها وتقول: «رَبِّي» مقرَّةً بربوبية الله لها وأنه لما كان موجدها فهو ربها مباشرةً وليس بينه وبينها واسطة.
الثاني من تلك الأمور الثلاث أيضاَ أمر الحاكمية والتشريع التي مرجعها إلى التنظيمات العقلانية والروحانية. وأمر الحاكمية والتشريع يختص بالموجودات العاقلة الثلاث المذكورة (الملك والجن والإنس) ، ولكن الغرض الأصلي من رسالتنا هذه هو الإنسان، فلن نخوض في أحوال الملائكة والجان في هذه الرسالة.