فهرس الكتاب
والمرحلة الثانية أن النبيَّ والوليَّ مبيِّنان للخير والشر والصلاح والفساد ونظم الدنيا والآخرة، وهما الهداة إلى طريق الرشاد وإلى الله عز وجل، والفرقان الذي يميز الكفر من الإيمان والهداية من الضلال. أي أن الأنبياء هم حملة التشريع والحكم والنظام. لكن جماعة من عظماء الفلاسفة والحكماء الإلهيين قالوا بوجود القدرة على الخلق لدى بعض الموجودات المكرّمة استنادًا إلى ظهور المعجزات منهم وبروز خوارق العادات، مثل الرسل المكرَّمين والأولياء المعظَّمين وبعض أهل السلوك- جزاهم الله عن الدين والإسلام ? ولكنهم غفلوا عن أن الوجود المحدود الممكن الذي هو بذاته معلولٌ لغيره لا يمتلك الاستعداد والأهلية للخلق، فالقدرة على الخلق والإيجاد من مختصات ذات الباري غير المتناهية التي ليس لها حد رياضي أو منطقي، أما نزول الوحي وظهور الخوارق فمما لا شك فيه أنها لم تكن من أفعال الأنبياء (ع) الاختيارية أي لم تكن مثل أفعال الأكل والشرب والقيام والقعود والتكلم والسكوت والذهاب والإياب وغيرها، بل نزول الوحي وظهور الخوارق والمعجزات يعودان إلى الواجب تعالى فالوحي يتعلق بالأحكام والفرائض والسنن والتعاليم العملية لنوع الإنسان ونظم الدنيا والآخرة وبيان الصلاح والفساد، أما ظهور المعجزات فمتعلق بأفعال خارق العادات وكل من الاثنين فعلٌ إرادي واختياري لحضرة الحق تبارك وتعالى الذي أجراها على أيدي الأنبياء وألسنتهم. فالأحكام يُوحى بها إلى قلب النبي {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ..} (البقرة/97) . وما ورد إلى قلب النبيِّ من قبل الله يبلغه النبيُّ بلسانه إلى أمته.