فهرس الكتاب
إن الله حرم الاختلاف إذا كان سببه البغي والحسد وحب الرياسة وإظهار الأنا تحريمًا مطلقًا لأن هذا الاختلاف لم يكن سببه ظنية الدليل ومدلوله بل الحسد وحب الرياسة، وحرم الاختلاف في الأصول لأن الأدلة التي نصبها لنا الله عز وجل مفيدةٌ للعلم، ولهذا فقد ذم الذين يكون مستندهم الظن ليثبتوا به مسائل عقائدية فقال عز وجل: (( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًَا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَئٍ ) )وقال تعالى: (( إِن يتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ) )وقال: (( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتِ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) )فحرمت الآياتُ الاختلافَ الذي يكون منشأه البغي والحسد واقتفاء الأدلة الظنية في القضايا التي لا بد فيها من العلم ولم تحرم الأخذ بالأدلة الظنية في فروع الدين المستلزمة للاختلاف (1) إذا لم يكن بغيًا وحسدًا وحبًّا للرياسة لأن الله أوجب علينا الاقتداء والتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في جميع ما جاء به مع معرفة وجه التأسي ففي الواجب واجب وفي المسنون مسنون وهكذا.
(1) 88) ليس الاختلاف ناشئًا من اللفظ بل لكونه ظنيًا، ومدلول اللفظ الظني والقطعي لا يدل إلا على شئٍ واحدٍ في الخارج، وكون الدليل ظنيًا مع اختلاف الأنظار أي طريقة التفكير أدّى إلى الاختلاف لا العقول فلا تختلف وإن تفاوتت في القوة والضعف لأن قضية العقل واحدةٌ وقوته وضعفه إنما في السرعة الزمنية والبطء لا غير في وصول قضية العقل.