أ. د. مصطفى حلمي
كانت هذه المسألة قد وصلت في عصر ابن تيمية إلى الذروة، حيث تباينت الآراء بين فرق المتكلمين والصوفية والفلاسفة.
يقول الرازي"المتوفى 606 هـ"- وهو من أقرب المتكلمين لهذا العصر-"إن المسلمين قد اختلفوا في صفات الله تعالى اختلافًا شديدًا، وكل واحد يدعي أنه على الحق، وإن مخالفه هو المبتدع" [1] .
ونحن نعلم أن الخلاف في بدايته كان في حدود طرفي النفي والإثبات، أي بين أهل الحديث من جهة، والجهمية والمعتزلة من جهة أخرى. وربما كانت المصادر المتقدمة في الزمن أدق في نقلها لأوجه الخلاف بينهما: منها ما أورده ابن قتيبة (276 هـ) بكتابه (تأويل مختلف الحديث) حيث ينعي على المتكلمين أمثال غيلان وعمرو بن عبيد (142 هـ) ومعبد الجهني (80 هـ) خوضهم في معانى الكتاب والحديث بواسطة العقل والنظر واتخاذ وسائل مستحدثة لفهم هذه المعاني، بينما لا تدرك بالطفرة والتولد والجوهر والغرض والكيفية والكمية والأينية وإنما هي من الأمور التي لا يعلمها نبي إلا بوحي من الله تعالى" [2] إنه لا يقبل منهم العذر في الاختلاف في هذه الأمور - محاولين التشبه بالفقهاء عندما اختلفوا في الفروع والسنن - لأن نقاشهم يدور حول مسائل غيبية كالتوحيد وصفات الله وقدرته ونعيم أهل الجنة وعذاب النار إلخ [3] ."
إن هذه العبارة تدعونا إلى بحث الجذور التاريخية ومتابعتها حتي يتبين لنا مدى صحة موقف ابن تيمية، لأن هذه المشكلة الكلامية كانت من المسائل التي أثارت خصومة عليه عندما كتب رسالتيه؛ أحدهما المسماة بالحموية الكبرى، والثانية: العقيدة الواسطية، إذ أشتد بسببها معارضوه ورموه بالضلال.