"والضلال يعني حينذاك حرية الفكر" [4] ، بينما لم يكن للشيخ من دور في هذه الرسالة إلا أنه أعاد على مسمع المسلمين أقوال السابقين منذ عصر الصحابة والتابعين ومن تلاهم. إننا نقرأ له ما يدلنا على طريقته في البحث في مثل قوله:"والله يعلم إني بعد البحث التام، ومطالعة ما أمكن من كلام السلف، ما رأيت كلام أحد منهم يدل، لا نصًا ولا ظاهرًا ولا بالقرائن، على نفي الصفات الخبرية" [5] . والصفات الخبرية تعنى أفعال الله عز وجل التي أخبرنا بها الله بالكتاب والسنة.
والظاهر أن الإسراف في التأويل - ونعني به هنا التحريف - والغلو في الأخذ بالتفسيرات المختلفة: الكلامية منها والصوفية، قد حجب أقوال السلف، فلم يعد يعرفها إلا القلة، مع أن المصادر تذخر بما أعلنوه من ضرورة التقيد بما كان عليه أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-. ومن المفيد أن نذكر هنا نصيحة ابن مسعود رضى الله عنه للمسلمين (من كان منكم متأسيًا فليتأسى بأصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-، فإنهم كانوا أبر قلوبًا، وأعمق علمًا، وأقل تكلفًا، وأقوم هديًا، وأحسن أخلاقًا، اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على هدى مستقيم" [6] ."
ولكن الاختلافات في الأصول - كما يذكر الشهرستاني - حدثت في أواخر أيام الصحابة [7] . ولكن أول من قال بخلق القرآن هو الجعد بن درهم (قتل 124هـ) وأخد عنه الجهم بن صفوان. ويورد ابن كثير سلسلة الأشخاص المخالفين لما كان عليه الصحابة والتابعين كما يلى:
الجعد بن درهم ثم الجهم بن صفوان الذي أخذ عنه بشر المريسي (وأخذ أحمد بن أبى دوواد عن بشر) [8] .