فهرس الكتاب
ويذكر الشيخ أيضًا في الفتوحات المكية أنه اجتمع مع إدريس في عالم الأرواح وسأله عن صحة هذه المكاشفة والخبر الوارد في هذا الباب فقال له إدريس: شهودك صحيح ومكاشفتك صحيحة والخبر الذي سمعته صادق ونحن معشر الأنبياء نؤمن بحدوث العالم ولكنَّ علمنا منقطع عن مبدأ الموجودات والأعيان.
يقول الشيخ إن تاريخ بداية العالم مجهول، والأنبياء والعلماء والمجتهدون يؤمنون بحدوث العالم، في حين يذهب بعض الفلاسفة القدماء والمتأخرين إلى قِدَمِ العالم ولا يؤمنون بحدوثه. وفي هذا الباب لا ينبغي الاعتماد على أقوال المؤرخين الجاهلين.
النتيجة:
إذا علمت هذه المقدمات تبين لك بكل وضوح أن قصة آدم وحواء وعصيانهما وهبوطهما إلى الأرض ليست على ظاهرها الحرفي، وقد ذهب المسلمون بهذا الشأن مذهبين:
1-طريقة السلف الصالح الذين يقولون بالتنزيه الكامل لِلَّهِ تعالى ويفوضون الأمر إليه ويقولون إن ما كانت حقائقه مجهولة بالنسبة إلينا فإننا نكله إلى الله العليم القدير، ويقولون إن حقيقة الواقع في قضية آدم مجهولة لنا ونحن نؤمن بما جاء به النبيّ ونكل العلم بحقيقته إلى الله، وفي حكاية هذه القصة فوائد للإنسان في الأخلاق والأعمال والأحوال وقد قرّب الله تعالى لعقول البشر بعض الحقائق والمعاني من خلال هذه القصة.
2-طريقة الخلف وهي التأويل. يقولون لما كان الإسلام يقوم على المنطق والعقل ولم يكن فيه أي مجافاة أو ابتعاد عن صريح العقل، فحيثما جزم العقل بشيء على نحو قاطع ثم ظهر في ظاهر النقل ما يخالفه، كان صريح العقل قرينةً قطعيةً على أن ظاهر النقل غير مُراد على الحقيقة بل هذا النقل محمول على معنى يوافق العقل وهذا لا يتم إلا بالتأويل.
أما نحن، فعلى طريقة السلف إن شاء الله، وكل ما يتعلق بالله وصفاته وما يتعلق بعالم الغيب نفوِّض حقيقته إلى الحق تعالى. ولكن لكي نبين ونوضح الأمور للناس ونذكِّر العلماء نشير هنا إلى خلاصة طريقة المتأخرين فنقول: