فهرس الكتاب
أما قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ} [القدر/1] فنقول هذا ليس واردًا على مشغول القلب بشيء غيره بدليل أنه ذكر الكناية فيها وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم وقوله: {إِنَّا أنزلناه} الهاء راجع إلى معلوم عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان متنبهًا له فلم ينبه.
واعلَمْ أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج/1] ، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ..} [الأحزاب/1] ، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ..} [التحريم/1] ؛ لأنها أشياء هائلة عظيمة، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها تنبيهًا، وأما هذه السورة افتتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن، وذلك لأن القرآن ثقله وعبئه بما فيه من التكاليف والمعاني، وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ؟؟} [العنكبوت/2] ، يعني لا يتركون بمجرد ذلك بل يؤمرون بأنواع من التكاليف، فوجد المعنى الذي في السور التي فيها ذكر القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي.
فإن قيل: مثل هذا الكلام، وفي معناه ورد في سورة التوبة وهو قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ } [التوبة/16] ولم يقدم عليه حروف التهجي؟!