فهرس الكتاب
الأول: أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلًا عن معرفة مقاصد كلام العرب إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حال الخطاب من جهة نفس الخطاب أو المخاطب أو المخاطب أو الجميع إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين وبحسب مخاطبين وبحسب غير ذلك كالاستفهام لفظه واحد ويدخله معان أخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة وعمدتها مقتضيات الأحوال وليس كل حال ينقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط فهي من المهمات في فهم الكتاب [1] .
و الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التنزيل مُوقِعٌ في الشبه والإشكالات ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف وذلك مظنة وقوع النزاع، ويُوَضِّح هذا المعنى ما روى أبو عبيد عن إبراهيم التيمي قال: خلا عمر ذات يوم فجعل يحدث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيم نزل وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيم نزل فيكون لهم فيه رأي فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا. قال فزجره عُمَر وانتهره، فانصرف ابن عباس. ونظر عمر فيما قال فعرفه فأرسل إليه فقال: أعد عليَّ ما قلتَ! فأعاده عليه فعرف عمر قوله وأعجبه. [2]
أقول: والشواهد على هذا الأمر كثيرةٌ في كتاب الله:
أ- لفظ القنوت، حيث للقنوت معان متعددة مثل: الخشوع وعدم الالتفات والذكر وغيرها:
(1) اقتبس المؤلف شريعت سنكلجي رحمه الله هذه الفقرة من كتاب «الموافقات» للشاطبي، ج3/ ص 347- 348. (تر)
(2) مُقْتبس من كتاب الموافقات، للشاطبي، ج3/ ص 348. (تر)