فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 250

وخلاصة الكلام أن القرآن جامع لمسائل الدين والشريعة، فإن قيل إن القرآن بيان لكلّ شيء فمعنى ذلك أنه بيان لكل شيء مما يتعلّق بالدين والشريعة فقط، فالقرآن كتاب تربية وتعليم وشفاء لأمراض الروح، كما قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ} [الإسراء/82] ، ووظيفة الرسل بيان الدين وتشريع الأحكام، فالقرآن نزل لتربية نفوس البشر وتقوية عقل الإنسان، وليس كتابًا في علوم الطبيعة أو الرياضيات أو التاريخ، وعندما يقوى العقل وتتحلّى النفس بالأخلاق الفاضلة يتّجه الإنسان إلى تحصيل العلوم وتعلّم الصناعات حسب احتياجه، فهذا هو المراد من كون القرآن بيان لكل شيء وليس المراد من كل شيء أن القرآن يبين خواص جميع الأشياء فيبين الجبر والرياضيات أو علم الجراثيم أو يعلّم كيفية صناعة المدافع والسيّارات والكهرباء، إذ ليس من وظيفة الأنبياء بحث هذه العلوم، ومقام هذه العلوم أدنى من رتبة القرآن. إن القرآن صانع للإنسان وهدف القرآن هو أن يوصل الإنسان إلى الرشد الحقيقي، فإذا رشد الناسُ تعلموا كل عمل صحيح وعلم مفيد لهم، يقول سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة/2] .

ومن المفيد أن نذكر هنا مثالًا بسيطًا ليتضح الكلام بنحو جيد. إذا قال أبُقراط أبو الطب أنني أوضحت في كتابي «قرابادين» كل شيء، فلا شك أن مراده أنه أوضح كل شيء يتعلق بالطب والعلاج، فإذا جئتَ تبحث في كتاب أبُقراط عن فن النجارة أو الفقه أو سياسة المدن كان ذلك دليلًا على أنك لم تفهم كلامه ولا أدركت قصده من كتابه. إن أبُقراط بيَّن ما له علاقة بالطب والعلاج فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت