أ. د. مصطفى حلمي
بحثنا فيما تقدم في موضوع الصفات، ورأينا ابن تيمية يسلك مسلكًا سلفيًا، ولا يمل من ترديد العبارات التي ينقلها عن السابقين حيث اتفق أهل السنة والجماعة على الإيمان"بما أخبر الله في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل بل هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم، فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة" [1] .
وفي أثناء مناظرته في"العقيدة الواسطية"التي نوقش في مضمونها أمام الحاضرين يخبرنا ابن تيمية عن أهم النقاط التي أثاروها فيقول"وأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم ويطنبون في هذا، ويعرضون بما ينسبه بعض الناس إلينا من ذلك" [2] .
فالشيخ إذن كان على علم بما وصفوه به من التجسيم، وفي الدفاع عن نفسه استند إلى دعامتين.
أحدهما: أنه أورد أقوال أصحاب القرون الثلاثة الأولي وكلها تؤيدها ما ذهب إليه وأبدى استعداده لإمهال من خالفه ثلاث سنين ليأتي ولو بحرف واحد مما ذكره، وهو على استعداد للرجوع عن عقيدته لو فعل [3] .
ثم نفى التشبيه والتجسيم عن أصحاب أحمد، وصاح في وجه مخالفه لكي يحدد له من يقصد من الحشوية من أصحاب الإمام على وجه التحديد:
الأثرم 273 هـ، أبو داود 275 هـ، الخلال 311 هـ.
الترمذي 279 هـ، أبو الحسن التميمي 371 هـ، ابن عقيل 513 هـ، القاضي أبو يعلى 458 هـ؟!
ويبدو أن مخالفه لم يحر جوابًا لأن ابن تيمية دافع بحرارة عن شيوخ الحنابلة مبرئًا إياهم من التجسيم. وإذا وجد في القلة منهم، فإن المشبهة والمجسمة في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم"فهؤلاء أصناف الأكراد كلهم شافعية، وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنف آخر، وأهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية، وأما الحنابلة المحضة فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم، والكرامية المجسمة كلهم حنفية" [4] .