موقف ابن تيمية من قضية العلو والجهة، والرد على القول المنسوب إليه
أ. د. مصطفى حلمي
يذكر ابن كثير في تاريخه أن الأمير الجاشنكير جمع الفقهاء لإعلان مخالفة الشيخ في"مسألة العرش، ومسألة الكلام وفي مسألة النزول" [1] ، وكان مضمون عقيدة الشيخ باختصار هو ما نقله عن أهل السنة والجماعة. أي"الإيمان بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل" [2] .
وقد مضى بنا الحديث عن دليل الكمال الذي يؤسس به الشيخ تنزيه الله تعالى. إنه ينزهه عن صفات النقص مطلقًا"فلا يوصف بالسفول ولا علو شيء عليه بوجه من الوجوه، بل هو العلي الأعلى الذي لا يكون إلا أعلى" [3] .
ولم يثبت صفة العلو الا بعد دراسة وبحث لنظار أهل السنة من مثبتة الصفات، لأنه يخبرنا أن العلم هو النقل الصدق، والبحث المحقق [4] .
وما دام الأمر كذلك، فقد تأكد لديه بعد فحص أقوال السابقين أن علو الله تعالى على المخلوقات"عند أئمة أهل الآثار من الصفات العقلية المعلومة بالعقل مع السمع، وهذا اختيار أبي محمد بن كلاب وغيره، وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى، وقول جماهير أهل السنة والحديث" [5] .
أما الاشتباه الذي وقع فيه البعض، فإن مرده إلى الظن بأن ما وصف الله به عز وجل نفسه هو"هو جنس ما توصف به أجسامهم" [6] وهذا خطأ.
لأنهم لو قاسوا الأمر بالنظر الى أرواحهم - ولله المثل الأعلى - التي يعرفون صفاتها وأفعالها، لأن من أفعال الروح عروجها إلى السماء بينما لم تفارق النائم [7] . وكذلك حال الملائكة - وهم ليسوا أجسادًا - في صعودهم ونزولهم، فإذا ثبت ذلك للأرواح والملائكة من جنس حركة الصعود والنزول دون المماثلة لحركة أجسام الآدميين"كان ما يوصف به الرب من ذلك أولى بالإمكان، وأبعد عن مثل نزول الأجسام، بل نزوله لا يماثل نزول الملائكة وأرواح بنى آدم" [8] .