الصفحة 23 من 375

كل هذا يؤكد لنا أنهم كانوا يسهرون على القرآن الكريم وعلى حمايته من أي شيء يكدر صفوه وينقص من قدره، فما يكاد يقرب منه شيء إلا ويتنبهوا لذلك قبل وقوعه، فيبعدونه عنه.

كما كانوا رضوان الله عليهم حريصين على إقراء الناس القرآن الكريم من التابعين وغيرهم ممن لم يتمكنوا من تلقيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعقدوا مجالس كثيرة لتدريس القرآن ومدارسته كما تلقوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ عنهم التابعون الذين كانوا أيضًا مغرمين بالتفقه في الدين وتعلم أحكامه، وحريصين على قراءة القرآن وحفظه وفهم معانيه حتى تخرّج على أيديهم أئمة جهابذة في العلم بالقرآن لفظًا ومعنى وعملًا، تولوا فيما بعد إقراء من جاء بعدهم القرآن الكريم ومدارسته.

هكذا أخذ المسلمون القرآن جيلًا عن جيل مشافهة ولم يعتمدوا على المكتوب في المصاحف فقط، وإنما كان الاعتماد في قراءة القرآن على تلقيه مشافهة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وهكذا كانوا شديدي الحرص على قراءة القرآن وحفظه في صدورهم، فكثر حفاظ القرآن من المسلمين في كل جيل وفي كل بلد من مشارق الأرض ومغاربها، لا توجد بقعة معمورة على وجه الأرض فيها مسلمون إلا وفيهم حفاظ القرآن الكريم، إما كاملًا وإما أجزاء منه.

هذا مما يتعلق بحفظ القرآن في الصدور الذي هو المعتمد عند المسلمين في المحافظة على القرآن الكريم.

وأما ما يتعلق بكتابة القرآن في السطور، فإن الذين جاءوا من بعد عصر الصحابة رضوان الله عليهم الذين أخذوا القرآن عنهم، والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين فإنهم أيضًا لم يهملوا هذا الجانب المهم في المحافظة على سلامة القرآن الكريم، ولم يغفلوه، بل نشطوا في ذلك نشاطًا فاق كل الوصف، لاسيما فيما يعرف بعصر التدوين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت