الصفحة 106 من 477

ومن الملاحظ: أن تلك الفترة كانت شهدت بداية سلسلة من الشكاوى ضد بعض عمال عثمان في مصر، وبعض البلاد الأخرى، وقد استفاد من ذلك الأمر وتلك الظروف: عبد الله بن سبأ فائدة كبيرة، فبدأ يقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح الفساد الظاهر في الأمة: واجب، وفرض على كل مسلم، ولهذا؛ يجب أن ننهض لنصلح هذا الفساد؛ الذي أوجده عثمان وعماله في الأمة، ويجب أن نبذل ما في استطاعتنا، وما في وسعنا للقضاء عليه.

كل هذا قام به عبد الله بن سبأ بذكاء خارق، وسرية تامة، وبفطرته اليهودية؛ التي تتسم بالمكر والخداع، ومضت حركته في سرية تامة تحت باطن الأرض، وكون خلية سرية، وأوجد أتباعًا له في مصر، وبعض البلاد الأخرى.

وحان الوقت الذي استعد فيه مع من معه ومع الجهلة البسطاء لرفع راية العصيان ضد عثمان - رضي الله عنه -؛ فخطط لبرنامج يتم تنفيذه على مراحل سرية، ينتهي بالوصول مع أصحابه في يوم معين في شكل تجمهر، وفي شكل عسكري إلى المدينة المنورة، وحدث هذا بالفعل، ووصل عبد الله بن سبأ مع أتباعه من الباغين العصاة المضللين في جيش كامل إلى المدينة المنورة.

ولا ضرورة لنذكر هنا ما حدث بعد ذلك؛ فالجميع يعرفه، ولو سمح عثمان - رضي الله عنه - الذي كان يحكم أكبر حكومة في العالم -آنذاك- باستخدام القوة ضد هؤلاء المتمردين لما حدث ما حدث، إلا أنه لم يشأ أن يستخدم القوة، أو أن يسكب قطرة دم واحدة؛ ليحافظ على حياته، وفضل أن يستشهد -ظلمًا-، وينتقل إلى الرفيق الأعلى، فقدم مثالًا على التضحية لا مثيل له في العالم [1]

(1) ونتساءل هنا: لماذا لم يستخدم عثمان - رضي الله عنه - القوة مع عبد الله بن سبأ وجماعته؟

كان عبد الله وجماعته مسئولين عن تلك الفتنة التي استشهد على أثرها عثمان - رضي الله عنه -، فقد كانت خطته التي ذكرناها قبلًا قائمة على التخريب، وإيجاد الفرقة بين المسلمين للإضرار بالإسلام ذاته، وكسر شوكته، وإضعاف قوته، وكان كل ما قام به في حياته موجهًا لهذا الهدف.

= ... ومن هنا؛ وجب على الحكومة الإسلامية، ووجب على عثمان - رضي الله عنه: أن يستخدم القوة ضد هؤلاء المفسدين؛ لقمع جذور الفتنة، فلم تكن القضية قضية ذاتية.

فلماذا لم يستخدم عثمان القوة ضد المتمردين؟!

هناك حقيقة نذكرها، وهي: أن حركة هؤلاء الناس كانت سرية، وكان كل شيء يتم في الخفاء، ومن هنا: لم تظهر هذه الحقائق على السطح، بل ظهرت نتيجة للأحداث التالية، وعرفت فيما بعد من بين

طيات التاريخ، وعندئذ اتضح أن هؤلاء الناس كانوا يعملون ضد بقاء عثمان على رأس الحكومة الإسلامية.

ومن هنا؛ آثر عثمان التضحية بروحه، وبسلطته؛ حقنًا للدماء، ورأى أن ذلك هو الصواب، وأنه خير للإسلام.

وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت