فهرس الكتاب
فهذه الفرقة إذن؛ تسمى: الجعفرية حينًا، والإثني عشرية حينًا آخر، والإمامية حينًا ثالثًا، ولعلها من أبعد الفرق الإمامية عمومًا عن الاتصاف بالغلو، إلا في حالات بعينها؛ كما سوف نوضح فيما يستقبل من حديث.
وإذا كانت قد سميت بالجعفرية؛ من باب تسمية العام باسم الخاص -كما مر بنا قبل قليل-، فإنها سميت بذلك: لأمر أهم؛ وهو: أنها تستمد أمور دينها من فقه الإمام جعفر الصادق، فلقد كان إمامًا لجميع المسلمين بالمعنى العام؛ كأبي حنيفة، والشافعي، والأوزاعي، ومالك، وابن حنبل، وكان من ذوي الرأي الصائب، والفتوى الصالحة في أمور الدين، فضلًا عن أنه كان إمامًا لدى الإمامية، له ما لبقية أئمتهم من الولاية والوصاية.
لقد كان جعفر -الذي تنتسب إليه الجعفرية-: غزير العلم في الدين، وافر الحكمة، كامل الأدب، زاهدًا، ورعًا، متسامحًا، بعيدًا عن الغلو، ولم يكن يؤمن بالغيبة أو الرجعة أو التناسخ، كما أنه كان بعيدًا عن الاعتزال.
وكان السيد الإمام: ينتسب من ناحية الأب: إلى العترة النبوية المباركة، ومن ناحية الأم: إلى أبي بكر الصديق.
وله أقوال بالغة حد الجمال في الإيمان، والصلة بالله، والبعد عن التطرف.
فمن أقواله: «إن الله -تعالى- أراد بنا شيئًا، وأراد منا شيئًا، فما أراده بنا: طواه عنا، وما أراده منا: أظهره لنا، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا» ؟
وكان يقول في القدر: «هو أمر بين أمرين: لا جبر، ولا تفويض» .
ومن أقواله في الدعاء: «اللهم لك الحمد؛ إن أطعتك، ولك الحجة؛ إن عصيتك، لا صنع لي، ولا لغيري في إحسان، ولا حجة لي، ولا لغيري في إساءة» [1] .
(1) «الملل والنحل» (1/ 147) .