الصفحة 76 من 477

إن أهم الحدود الفاصلة بين دعوات الأنبياء، وغير الأنبياء من الأدعياء، وبين أهداف وأعمال الأنبياء، وأعمال غيرهم، هي: عقيدة، لا تقبل أي هدنة أو مهادنة، ولا تقبل أي تسويف أو مساومة [1] .

فمعيار الرفض والقبول، ومعيار الإعجاب والبغض، وشرط الوصل والقطيعة: يتمثل فقط عند المسلم في تلك العقيدة، وفي هذا الدين؛ الذي هو -رغم ضعف المسلمين- قائم، وثابت في شكله الأصلي، وطالما بقيت هذه العقيدة صلبة مستقيمة، وطالما تمسك بها أهلها، وأخذتهم الحمية والغيرة عليها؛ إن مسها أحد بضر، وطالما لم يهن ولم يضعف مفسرو الدين وشارحوه والمحافظون عليه أمام أي جبروت أو طاغوت، أو أمام أية إمبراطورية؛ مهما وصلت قوتها، وطالما لم يسمحوا لأحد أن يمس هذه العقيدة -من قريب أو بعيد-، وطالما رأوا عدم جواز السكوت على أية عقيدة خاطئة أو دعوة تشوبها شائبة؛ من خطأ أو تحريف مهما كان الأمر يمس المصالح الدنيوية للمسلمين، ومهما كان الأمر يحمل التلويح بالابتعاد عن تفرقة المسلمين أو البعد عن إيجاد اختلاف بينهم: فالعقيدة الصحيحة هي الأساس، وما عداها باطل باطل.

وها هو الإمام أحمد بن حنبل -رحمة الله عليه-، المتوفى سنة (241 هـ) ، يعارض ويواجه مواجهة شديدة، ليس فقط حاكمًا من أكبر الحكام المسلمين، بل أعظم حكام عصره، ألا وهو: الخليفة المأمون ابن الخليفة هارون الرشيد، والمعتصم بن هارون الرشيد؛ فيتحمل السياط وعذاب السجن في سبيل الدفاع عن الإسلام في صورته النقية الطاهرة، وذلك حين ظهرت فكرة: (خلق القرآن) .

وها هو مجدد الألف الثانية، الشيخ أحمد فاروقي -رحمة الله عليه-، المتوفى سنة (1034 هـ) ، يقوم بالدفاع عن نقاء الإسلام، فيقف في وجه الإمبراطور الأكبر، ويعارض أفكاره وعقائده، والدعاوى الباطلة، والاجتهادات التي تمس نقاء الدين، وفكرة وحدة الأديان.

(1) انظر كتابنا: «دستور الحياة» ، فصل تحت عنوان: (طبيعة الدين الإسلامي، وسماته البارزة) ، (ص:20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت