فهرس الكتاب
ويقول ابن أبي الحديد: «وابن الزبير: كان من القائلين به في بدء الأمر، ثم رجع عنه؛ كما يذكر أن بعض بني أمية: كانوا يرون هذا الرأي؛ ومنهم: سعيد بن العاص» .
ولم يكن الشيعة على درجة واحدة، بل كان منهم: الذين غالوا في تقدير علي وبنيه، ومنهم: المعتدلون المقتصدون، وقد اقتصر المعتدلون على تفضيله على كل الصحابة من غير تكفير أحد، ومن غير أن يضعوه في درجة التقديس؛ التي يعلو بها على البشر!
ولقد قال ابن أبي الحديد في المعتدلين منهم: «وكان أصحابنا: أصحاب النجاة، والخلاص، والفوز في هذه المسألة، لأنهم: سلكوا طريقًا مقتصدًا، قالوا: إنه أفضل الخلق في الآخرة، وأعلاهم منزلة في الجنة، وأفضل الخلق في الدنيا، وأكثرهم خصائص ومزايا ومناقب، وكل من عاداه أو أبغضه: فإنه عدو الله، وخلد في النار مع الكفار والمنافقين، إلا أن يكون ممن ثبتت توبته، ومات على توليه وحبه.
فأما الأفاضل من المهاجرين الذين ولوا الإمامة قبله: فلو أنكر إمامتهم وغضب عليهم وسخط فعلهم؛ فضلًا عن أن يشهر عليهم السيف أو يدعوهم إلى نفسه: لقلنا: إنهم من الهالكين؛ كما لو غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله، لأنه قد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «حَرْبُكَ: حَرْبِي، وَسِلْمُكَ: سِلْمِي» ، وأنه قال: «اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» ، وقال له: «لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ» .
ولكنا رأيناه: رضي إمامتهم وبايعهم، وصلى خلفهم، وأنكحهم وأكل فيئهم، فلم يكن لنا أن نتعدى فعله، ولا نتجاوز ما اشتهر عنه، ألا ترى: أنه لما برئ من معاوية؛ برئنا منه، ولما لعنه؛ لعناه، ولما حكم بضلال أهل الشام؛ ومن كان فيهم من بقايا الصحابة؛ كعمرو بن العاص، وعبد الله ابنه وغيرهما؛ حكمنا -أيضًا- لهم.