وهذا القول الأخير موافق لمذهب الأشعري نفسه الذي يعتقد أن وجود الجارحة وسلامتها وغير ذلك مما يسبق الفعل إنما يتعلق بقبول القدرة أو الاستطاعة؛ فقد تكون الجارحة الصحيحة ولا يكون الفعل، بينما لا يتأثر الكسب أو فعل الإنسان عنده في وقوعه إلا بالاستطاعة أو القدرة المصاحبة فقط، وهي عنده عرض لا يبقى زمانين [1] . وقد روى الكليني بإسناده «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا ــ عليه السلام ــ عَنِ الاسْتِطَاعَةِ، فَقَالَ: يَسْتَطِيعُ الْعَبْدُ بَعْدَ أَرْبَعِ خِصَالٍ: أَنْ يَكُونَ مُخَلَّى السَّرْبِ، صَحِيحَ الْجِسْمِ، سَلِيمَ الْجَوَارِحِ، لَهُ سَبَبٌ مِنَ اللَّهِ. قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَسِّرْ لِي هَذَا. قَالَ: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُخَلَّى السَّرْبِ صَحِيحَ الْجِسْمِ سَلِيمَ الْجَوَارِحِ يُرِيدُ أَنْ يَزْنِيَ، فَلا يَجِدُ امْرَأَةً، ثُمَّ يَجِدُهَا، فَإِمَّا أَنْ يَعْصِمَ نَفْسَهُ؛ فَيَمْتَنِعَ كَمَا امْتَنَعَ يُوسُفُ ــ عليه السلام ــ أَوْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وبَيْنَ إِرَادَتِهِ؛ فَيَزْنِيَ فَيُسَمَّى زَانِيا،ً ولَمْ يُطِعِ اللَّهَ بِإِكْرَاهٍ، ولَمْ يَعْصِهِ بِغَلَبَةٍ» [2] . يعني أن العبد إذا توفَّرت له هذه الأمور يكون قابلا للقدرة التي يفعل بها إذا خُلِّيَ وما أراد [3] .
(1) - راجع الأشعري: اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع ـ ص 92: 98. وراجع الباقلاني: الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ـ ص 46، 47. وراجع له كتاب التمهيد ـ ص 286، 287. تحقيق الأب ريتشرد يوسف مكارثي اليسوعي.
(2) - الكليني: الكافي ـ 1/ 160، 161 (كتاب التوحيد ـ باب الاستطاعة. حديث رقم 1) .
(3) - قارن ذلك بتعليق الطباطبائي على الرواية حيث جعل هذه الأمور جميعا عبارة عن أجزاء العلة التامة لوقوع الفعل، وصرح بأن فعل الإنسان لا يوجد ما لم يوجد جميع أجزاء علته التامة..والأشعري في رأيه لا يلغي تأثير الصحة وسلامة الجارحة في وقوع الفعل؛ لأنه يسلم بأن عدم الجارحة السليمة يلزم معه عدم القدرة أو الاستطاعة التي يكون بها الكسب أوالفعل، لكنه يمنع تأثيرها المباشر في إيجاب الفعل؛ لأنها قد تكون ولا يكون الفعل، ولأنه لا يقول بالتفويض واستقلال العبد بأفعاله، وهذا ما حرص عليه القدرية في اعتقادهم ضرورة سبق الاستطاعة للفعل. وقد قال أبو اليسر البزدوي الماتريدي: «وكثير من فقهاء أصحابنا بخراسان وعراق يقولون: إن الاستطاعة قبل الفعل، وهذا خطأ محض لمذهب المعتزلة، ومن قال بالاستطاعة قبله يصير قائلا لا محالة بأن العبد هو موجد الأفعال» .. أصول الدين ـ ص 116.