ي ــ أفعال العباد .. قد مر بنا من قبل أن الفعل عند هشام في حكم الصفة، ليس هو الفاعل ولا غيرَه. قال الأشعري عن الهشامية أصحاب هشام بن الحكم: «يزعمون أن الأفعال صفات للفاعلين ليست هي هم ولا غيرهم، وأنها ليست بأجسام ولا أشياء. وحُكِيَ عنه أنه قال: هي معان، وليست بأشياء ولا أجسام» [1] . وذكر أنه يزعم أن أعمال العباد مخلوقة لله، ثم قال: «وحَكَى جعفرُ بن حرب عن هشام بن الحكم أنه كان يقول: إن أفعال الإنسان اختيار له من وجه اضطرار من وجه: اختيار من جهة أنه أرادها واكتسبها، واضطرار من جهة أنها لا تكون منه إلا عند حدوث السبب المهيج عليها» [2] . وهذا يناسب الرأي الذي نسبه الأشعري بعد ذلك للهشامية في الاستطاعة والقدرة على الفعل؛ حيث قال: «يزعمون أن الاستطاعة خمسة أشياء: الصحةُ، وتخليةُ الشئون، والمدةُ في الوقت، والآلةُ التي بها يكون الفعل كاليدِ التي يكون بها اللطم ...، والسببُ الواردُ المهيج الذي من أجله يكون الفعل. فإذا اجتمعت هذه الأشياء كان الفعل واقعا. فمن الاستطاعة ما هو قبل الفعل موجود، ومنها ما لا يوجد إلا في حال الفعل وهو السبب. وزعم أن الفعل لا يكون إلا بالسبب الحادث فإذا وجد ذلك السبب وأحدثه الله كان الفعل لا محالة، وأن الموجب للفعل هو السبب وما سوى ذلك من الاستطاعة لا يوجبه [3] .
(1) - الأشعري: مقالات ـ 1/ 117.
(2) - الأشعري: مقالات ـ 1/ 114.
(3) - السابق ـ ص 116. وهذا مثل مذهب أكثر الماتريدية الذين ذهب شيخهم أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي (تـ333هـ) إلى أن المسمى باسم القدرة على قسمين: «أحدهما سلامة الأسباب وصحة الآلات وهي تتقدم الأفعال، وحقيقتها ليست [بِمُوجِبَةٍ] للأفعال وإن كانت الأفعال لا تقوم إلا بها ...
... والثاني معنى لا يقدر على تَبَيُّنِ حده بشيء يُصار إليه سوى أنه ليس إلا للفعل، لا يجوز وجوده بحال إلا ويقع به الفعل عندما يقع معه». كتاب التوحيد للماتريدي ـ ص 256.