الصفحة 32 من 298

إن استنباط أحكام الحوادث التي لا حصر لها والتي ستقع حتى يوم القيامة من الآيات التي وردت في القرآن الكريم حول الأحكام أو من أحاديث الأحكام المحدودة جدًا للنبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عملٌ صعبٌ للغاية ومعقّدٌ وخارجٌ عن إمكانية البشر العاديين... لا يمكن لأيِّ بشر عاديٍّ أبدًا بعلمه المحدود أن يستخرج ويستنبط من هذه النصوص والمستندات المحدودة أحكام الموضوعات والحوادث المتزايدة للمجتمع الإسلامي. بل لا بد من فرد مؤهل يملك استعدادًا خاصًا كي يستخرج من خلال التعليم الإلهي والغيبيّ أحكام مثل هذه الحوادث من تلك الأدلة المحدودة ويضعها تحت تصرّف الأمة» [1] .

فكيف إذن تريدون أن تعهدوا بالعمل الذي أنتم تعترفون أنه خارج عن قدرة الفقهاء وأن الناس العاديين وغير المعصومين لا يمكنهم أبدًا القيام به، لهؤلاء الفقهاء غير المعصومين الذين هم بشر عاديون؟ أفليس هذا تناقضٌ واضحٌ وصريحٌ؟ وخلاصة الكلام: من الممكن القول إنه لو صحَّ الاستدلال العقلي الذي نبحث فيه فإن غيبة الإمام الطويلة ستكون مستحيلة بأي دليل من الأدلة وأي حكمة من الحكم. وبعبارة أخرى إن غيبة الإمام الثاني عشر وعدم حضور أي إمام معصوم بين الناس (والذي مضى عليه حتى اليوم ألف ومئتي عام) ناقض لدعوى ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

يقول عامة متكلمي الشيعة إجابةً عن هذا الإشكال إنَّ العامل الأصليّ المسبِّب لهذه الغيبة هو الناس أنفسهم. وهذا معناه أن عدم أهلية الناس من جهة وتهديدات الجهاز الحاكم في ذلك الزمن من جهة أخرى والذي أدى إلى الخوف من مقتل واستشهاد الإمام الثاني عشر هو العامل الأصلي لغيبته. وقبل أن ننقد هذه الإجابة من المفيد أن نبيِّن أرضية تشكّل معضلة إشكالية الغيبة من طريق أخرى كي يمكن فهم هذه النقطة على نحو أفضل.

(1) سبحاني، جعفر، «رهبرى امّت» (أي قيادة الأمة) ، ص24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت