فهرس الكتاب
فإن قيل: ما الدليل على أن داود لم يكن حاكمًا فعلًا على كل الأرض؟ قلنا: الدليل هو أن ابنه سليمان الذي حكم من بعده لم يكن له علم بحال أهل سبأ الذين كانوا يعبدون الشمس حتى أخبره الهدهد بذلك، إذن لم يكن جميع أهل الأرض مستسلمين لِلَّهِ وخاضعين لدين داود في زمنه، فكان هناك في زمن داود عُبَّاد للشمس لا يعلمون شيئًا عن داود، ولم يكن داود يعلم عنهم شيئًا، ثم علم سليمان في عهده بأمرهم، كما تدل على ذلك الآيات 23 إلى 28 من سورة النمل، وربما كان هناك أقوامٌ كُثُر آخرون لم يكن سليمان مطلعًا عليهم أيضًا.
إذن يتبين أن المقصود من قوله تعالى: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} أن يخلف المؤمنون الكفار ويتغلبوا عليهم في مكة وما حولها، وهو ما وقع في صدر الإسلام، وفي دعاء الوحدة الذي نادى به المؤمنون عند فتح مكة: «لا إله إلا الله وحده وحده وحده، أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» فالمقصود من قولهم: «أنجز وعده» استخلاف الله للمسلمين على مكة طبقًا للآية موضع الاستشهاد أي قوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ...} علاوة على أن كلمة «الأرض» في الآية جاءت معرفة بالألف واللام، ويمكننا القول إنها ألف ولام العهد التي تشير إلى أرض معهودة وهي أرض مكة، وهذا كالآية التي قال الله تعالى فيها لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا} (الإسراء/76) والتي لا يُقصد منها بالطبع إخراج الرسول من الكرة الأرضية! بل كلمة الأرض هنا المعرفة بألف ولام العهد يقصد بها تلك الأرض المعهودة، أي أرض مكة وما حولها.