ما كنت أظن يومًا أني سأمسك القلم لأدافع عن رجال أطهار عظماء، هم من أشرف رجال هذه الأمة وأعظمهم، ولهم في الجهاد قدم صدق، رفعوا رأس الأمة عاليًا في زمان ألفت الأمة فيه تنكيس الرؤوس وتوالي النكبات، ولم نعد نسمع من الأخبار السارة إلا أخبارهم، ولا نفرح إلا ببطولاتهم، ولا نفخر إلا بأعمالهم.
وعاش جنرالات اليهود إلى اليوم الذي صاروا يسمعون فيه ويرون من يذيقهم سوء العذاب، ويحطم آمالهم في بقاء دولتهم المسخ، وينقص نظرية أمنهم المطلق وجيشهم الذي لا يقهر، وصار العدو الذي كان يصول ويجول في أراضي الأمة يضرب ويقتل من يشاء بلا خوف ولا نكير، صار هذا العدو يحسب ألف حساب قبل إقدامه على ما كان يقدم عليه في زمان الذل والهوان بلا تردد ولا توان.
والعجب العجيب؛ أن هؤلاء الأطهار المجاهدين الذين قلب الله تعالى بهم الأوضاع يتعرضون اليوم للوم بل التأثيم والإنكار بدعوى أن صنيعهم يخالف الشرع المطهر، ويضاد مدلول الأدلة الشريفة، فأين يذهب بهذه الأمة؟ وكيف يكون هذا؟!
وقد اطلعت على فتاوى المنكرين؛ فوجدتها مبنية على أدلة عامة لا تدل في الحقيقة على ما ذهبوا إليه، وهم محجوجون بجملة من الأدلة، وبعمل طائفة من الصحابة فمن بعدهم من السلف الصالح، وهم أولى من فهم هذه الأدلة وعلم ما يراد منها وبها.
ولكني لما رأيت طائفة من الأمة تعلقت بهذه الفتاوى، وصار القاعدون ينكرون على المجاهدين! ويسفهون ما يقومون به من جميل الفعال، ولما رأيت أن اليهود أخذوا يقرعون الشباب الفلسطيني بمضمون هذه الفتاوى.
لما رأيت هذا كله؛ غرت - والله - على هذا الدين وعلى عبادة الجهاد التي هي ذروة السنام منه، وأحببت أن أكتب في هذا الموضوع ما أرى أنه حق، والله تعالى أعلم، ألا وهو أن هذه العمليات الاستشهادية الجهادية من أعظم القربات وأحسن أنواع الجهاد ضد هذا العدو الضال الوحشي الذي لا يرقب فينا إلاًّ ولا ذمة.
وقسمت الموضوع قسمين:
القسم الأول؛ في الأدلة والآثار التي تدل بوضوح على جواز مثل هذا العمل، وقرنت بها كلام الفقهاء العظام رحمهم الله تعالى.
والقسم الآخر؛ عمل طائفة من السلف ومن تبعهم في هذا الباب المبارك.
وها أنذا أسوق الأدلة من كتاب الله تعالى على مشروعية العمليات الاستشهادية:
1)قول الله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد} :
ووجه الدلالة فيها؛ ما جاء في سبب نزولها أن صهيبًا رضي الله عنه لما هاجر إلى المدينة المنورة النبوية اتبعه نفر من قريش وهو وحده، فأراد قتالهم بمفرده، ثم صالحهم بعد ذلك على ماله يعطيهم إياه، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (ربح البيع أبا يحيى) ، وأثنى على صنيعه الله تبارك وتعالى في كتابه، فلو لم يكن قتاله العدو وهو منفرد وحيد، ويغلب على الظن هلاكه، أقول: لو لم يكن هذا جائزًا لما أثنى الله تعالى عليه، والله أعلم.
وقد استدل عمر رضي الله تعالى عنه بهذه الآية في حادثة مهمة جرت زمان خلافته، ورد فيها على من يقول؛ إن الانغماس في العدو هو تعريض النفس للهلاك وأنه لا يجوز، وهو ما يتمسك به بعض من أفتى بحرمة العمليات الاستشهادية في فلسطين.
فقد روى ابن المبارك وابن أبي شيبة عن مدرك بن عوف الأحمسي- واختلف في صحبته - قال: (كنت عند عمر رضي الله عنه إذ جاءه رسول النعمان بن مقرن - الصحابي المشهور رضي الله عنه - فسأله عمر عن الناس، فقال: أصيب فلان وفلان وآخرون لا أعرفهم، فقال عمر رضي الله عنه: لكن الله يعرفهم، فقال: يا أمير المؤمنين! ورجل شرى نفسه، فقال مدرك بن عوف: ذاك والله خالي يا أمير المؤمنين، زعم الناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه ممن اشترى الآخرة بالدنيا) .
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: (كنا في غزاة، فتقدم رجل فقاتل حتى قتل، فقالوا: ألقى هذا بيده إلى التهلكة، فكتب فيه إلى عمر رضي الله عنه، فكتب عمر: ليس كما قالوا، هو من الذين قال الله فيهم: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} ) .
ففي هذا الأثر والذي قبله؛ استشهاد عمر بالآية في جواز صنيع من حمل على الكفار بمفرده.
وروى ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين قال: (جاءت كتيبة من قبل المشرق من كتائب الكفار، فلقيهم رجل من الأنصار فحمل عليهم فخرق الصف حتى خرج، ثم كر راجعًا، فصنع مثل ذلك مرتين أو ثلاث، فإذا سعد بن هشام يذكر ذلك لأبي هريرة رضي الله عنه، فتلا هذه الآية: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} ) .
2)ذكر الله تعالى قصة طالوت وأصحابه في معرض الثناء عليهم:
وقد حملوا وحدهم وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا - عدة أصحاب بدر- وقابلوا جيشًا مؤلفًا من عشرات الآلاف، قيل: كانوا تسعين ألفًا، وقيل أكثر من ذلك، وفي ذلك هلكة بينة.
ومن الأدلة من السنة على جواز العمليات الاستشهادية:
1)هذا معاذ بن عفراء رضي الله عنه يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده؟ قال: (غمسه يده في العدو حاسرًا) ، قال: فألقى درعًا كانت عليه وقاتل حتى قتل رضي الله عنه.
وغمس الرجل يده في العدو حاسرًا؛ تعريض النفس للموت المحقق، وهو يشبه ما يصنعه أبطال الجهاد في فلسطين في عملياتهم الاستشهادية.
2)وأخرج الطبراني في معجمه الكبير بإسناد حسن عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم؛ الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله ويكفيه، فيقول الله؛ انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه، والذي له امرأة حسناء وفراش لين حسن فيقوم من الليل، فيقول؛ يذر شهوته ويذكرني ولو شاء لرقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا، فقام في السحر في ضراء وسراء) .
وموضع الشاهد من هذا الدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (قاتل وراءها بنفسه) ، وهذا مظنة الهلكة، ولكن الله تعالى يحب هذا الصنيع ويرتضيه.
3)وأخرج الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عجب ربنا من رجلين؛ رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحيه إلى صلاته، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حيه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه وعلم ما عليه من الانهزام وماله في الرجوع فرجع حتى يهريق دمه فيقول الله: انظروا إلى عبدي رجع رجاءً فيما عندي وشفقة مما عندي حتى يهريق دمه) .
قال ابن النحاس الدمياطي رحمه الله تعالى: (ولو لم يكن في هذا الباب إلا هذا الحديث الصحيح؛ لكفانا في الاستدلال على فضل الانغماس) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعليقًا على هذا الحديث: (فهذا رجل انهزم هو وأصحابه ثم رجع وحده فقاتل حتى قُتل، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يعجب منه، وعجب الله من الشيء؛ يدل على عظم قدره، وأنه لخروجه عن نظائره يعظم درجته ومنزلته، وهذا يدل على أن مثل هذا العمل محبوب لله مرضي، لا يكتفى فيه بمجرد الإباحة والجواز حتى يقال: وإن جاز مقاتلة الرجل حتى يغلب على ظنه أنه يُقتل فترك ذلك أفضل، بل الحديث يدل على أن ما فعله هذا يحبه الله ويرضاه، ومعلوم أن مثل هذا الفعل يقتل فيه الرجل كثيرًا أو غالبًا) .
4)وروى ابن أبي شيبة والحاكم بسند صحيح إلى أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة يحبهم الله) ، فذكر أحدهم: (رجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا، فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له) .
ومن أحسن ما يُرَد به على من يقول إن العمليات الاستشهادية؛ إلقاء بالنفس في التهلكة ما رواه أبو داود والترمذي والحاكم وغيرهم عن أبي عمران.
قال: (كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفًا عظيمًا من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم وأكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل بينهم فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب رضي الله عنه فقال: يا أيها الناس إنكم لتؤولون هذا التأويل، وإنما نزلت فينا الآية معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقد قال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلما أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها، أنزل الله تعالى ما يرد علينا ما قلنا: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ، وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتَرْكنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم) .
فأي تفسير أحسن من هذا التفسير الذي فسر به أبو أيوب رضي الله عنه هذه الآية؟! وهل يملك أحد بعده أن يؤول الآية خلاف تأويله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:(وقد أنكر أبو أيوب على من جعل المنغمس في العدو ملقيًا بيده إلى التهلكة دون المجاهدين في سبيل الله، ضد ما يتوهمه هؤلاء الذين يحرفون كلام الله عن مواضعه، فإنهم يتأولون الآية على ما فيه ترك الجهاد في سبيل الله، والآية إنما هي أمرٌ بالجهاد في سبيل الله ونهيٌ عما يصد عنه.
فإن قيل: قد قال الله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ، وإذا قاتل الرجل في موضع فغلب على ظنه أنه يُقتل فقد ألقى بيده إلى التهلكة! قيل: تأويل الآية على هذا غلط، ولهذا ما زال الصحابة والأئمة ينكرون على من يتأول الآية على ذلك كما ذكرنا).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر مزايا الشهيد وفضائله وأن الله نهى عن تسميته ميتًا - قال: (إذا كان الله نهى عن تسميته ميتًا واعتقاده ميتًا، لئلا يكون منفرًا عن الجهاد، فكيف يسمى الشهادة تهلكة، واسم الهلاك أعظم تنفيرًا من اسم الموت، فمن قال: قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ، يراد به الشهادة في سبيل الله فقد افترى على الله بهتانًا عظيمًا) .
وعن القاسم بن مخيمرة - أحد أئمة التابعين وأعلامهم - أنه قال في قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ، قال: (التهلكة: ترك النفقة في سبيل الله، ولو حمل الرجل على عشرة آلاف لم يكن بذلك بأس) .
وأما موقف الفقهاء رحمهم الله تعالى في جواز العمليات الاستشهادية:
فقد تكلموا عن هذه المسألة كلامًا حسنًا جدًا.
فمن ذلك الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، حيث قال: (لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن عَلم أنه يُقتل .... لكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار - كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز - فذلك حرام، وداخل تحت عموم آية التهلكة، وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه لا يُقتل حتى يَقتل، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله، فتُكسر بذلك شوكتهم) .
وقال الرافعي والنووي وغيرهما: (التغرير بالنفس في الجهاد جائز) .
وقال ابن خويز منداد من المالكية: (فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة من العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج، فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أنه يقتل ولكن سينكي نكاية أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا) .
وقال محمد بن الحسن، وهو من الأحناف: (لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده، لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك؛ فهو مكروه، لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين، فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه؛ فلا يبعد جوازه، لأن فيه نفعًا للمسلمين على بعض الوجوه، فإن كان قصده إرهاب العدو ليعلم العدو صلابة المسلمين في الدين؛ فلا يبعد جوازه، وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت النفس لإعزاز دين الله وتوهين الكفر؛ فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} ، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه) .
وسئل الإمام أحمد رحمه الله: الأسير يجد السيف والسلاح، فيحمل عليهم وهو يعلم أنه لا ينجو، أعان على نفسه؟ قال: (أما سمعت قول عمر حين سأله الرجل فقال: إن أبي أو خالي ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال عمر: ذاك اشترى الآخرة بالدنيا) .
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: (لا أرى ضيقًا على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسرًا أو يبادر الرجل، وإن كان الأغلب أنه مقتول، لأنه قد بودر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمل رجل من الأنصار حاسرًا على جماعة من المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بما في ذلك من الخير فقتل) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود، وفيها؛ أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر، فإن كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره؛ كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك، ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا، الذي لا يندفع إلا بذلك أولى) .
من هذا كله نخلص؛ أن العمليات الاستشهادية التي تجري في فلسطين من أعظم القربات وأحسن أنواع الجهاد، إذا قارنها أمور منها:
1)إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين ومنفعة لهم.
2)الإنكاء في العدو وإيذاؤه.
3)أو تجرئة المسلمين على العدو.
4)أو إرهاب العدو ليعلم صلابة المسلمين وإقدامهم على الموت.
5)كسر قلوب الكفار لكسر شوكتهم.
وإذا نظرنا إلى أثر العمليات الاستشهادية في فلسطين؛ فإننا نجد أنها حققت كل الأهداف السابقة، فقد آذت العدو إيذاءً لم يؤذه إياه الجيوش العربية مجتمعة منذ أن وُجدوا في فلسطين، وجرأت الشباب المسلم على اليهود بعد أن كانوا أسيرين لنظرية جيش العدو الذي لا يقهر، وأرهبت العدو إرهابًا عظيمًا وكسرت قلوبهم حتى صاروا يغادرون مستوطناتهم خوفًا من أبطال المسلمين، وهذا ما كنا نحلم بأنه كائن يومًا ما، هذا عدا الأثر الاقتصادي العظيم على دولة العدو وازدياد العجز الاقتصادي، وهرب السياح وعشرات من الآثار السلبية على دولة إخوان القردة والخنازير.
فهل بعد هذا كله يقال إن هذه العمليات حرام؟ خاصة أننا لا نكاد نرى وسيلة أخرى لإيذاء العدو غير هذه الوسيلة، فالقول بتحريمها قد يفضي إلى إغلاق باب الجهاد وإفراح العدو.
وهناك شبهة يتعلق بها بعض الناس، وهي استهداف هذه العمليات الطاهرة لمدنيين [1] :
وأنا أقول: حرروا هذه اللفظة، فهل هناك مدنيون في فلسطين السليبة؟! والرجال والنساء غير العسكريين هم جنود احتياط ومدربون على السلاح ومحرضون علينا.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم [7/ 324] : (كل من لم يكن من أهل القتال؛ لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض وأشباه ذلك) .
ففي الحقيقة لا يوجد من يستحق أن يوصف بأنه مدني في فلسطين من اليهود، ومن غصب أرضنا؛ جاز لنا أن نخرجه منها بكل وسيلة.
أما قضية مقتل الأطفال من اليهود وهم غير مكلفين:
فالجواب عنها؛ بما جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن الصعب بن جَثامة قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المشركين يُبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم؟ فقال: (هم منهم) .
وقال ابن حجر في قوله صلى الله عليه وسلم هم منهم: (أي في الحكم في تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطء الذرية، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم؛ جاز قتلهم) .
وهذا واضح في قضية الجهاد في فلسطين اليوم، هذا على أن ما يصاب من أطفال العدو قلة قليلة جدًا، بل لا نكاد نسمع بإصابة أطفالهم.
وهناك نقطة مهمة؛ وهي أن أفراد حماس لم يقدموا على هذه العمليات إلا بفتوى علماء لا عن هوى ولا تشهى، وعلماؤهم أعلم بواقع الحال، ألم يقل سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى:"إذا اختلفتم في مسألة فاسألوا أهل الثغور، فإن الحق معهم"، مستدلًا بقوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ؟!
أما أخبار سلفنا الصالح وقصصهم:
فهي تزيد صدر المسلم انشراحًا واطمئنانًا إلى أن هذه العمليات من أحسن أنواع الجهاد في سبيل الله تعالى.
فقد خرّج ابن عساكر بسنده عن عقبة بن قيس الكلابي؛ أن رجلًا قال لأبي عبيدة بن الجراح يوم اليرموك: (إني قد جمعت أمري أن أشد عليهم، فهل توصوني إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: تقرئه السلام وتخبره أنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا) .
فقد أقر أبو عبيدة رضي الله عنه الرجل على أن يشد عليهم وحده، وفي ذلك هلاك بين، لكنه من أعظم القربات.
وروى الحافظ المزي وغير واحد بأسانيدهم عن العلاء بن سفيان الحضرمي قال: (غزا بسر بن أرطاة الروم فجعلت ساقته - مؤخرة الجيش - لا تزال تصاب، فيمكن لهم الكمين فيصاب الكمين، فلما رأى ذلك تخلف في مائة من جيشه، فانفرد يومًا في بعض أودية الروم فإذا براذين - البرذون: يطلق على غير العربي من الخيل والبغال - مربوطة نحو ثلاثين، والكنيسة إلى جانبهم فيها فرسان تلك البراذين الذين كانوا يعقبونه في ساقته، فنزل عن فرسه فربطه، ثم دخل الكنيسة فأغلق عليه وعليهم بابها، فجعلت الروم تعجب من إغلاقه، فما استقلوا إلى رماحهم حتى صرع منهم ثلاثة، وفقده أصحابه فأتوا فعرفوا فرسه، وسمعوا الجلبة في الكنيسة فأتوها فإذا بابها مغلق، فقلعوا بعض السقف ونزلوا عليهم، وبسر ممسك طائفة من أمعائه بيده، والسيف بيده اليمنى، فلما تمكن أصحابه في الكنيسة سقط بسر مغشيًا عليه، فأقبلوا على أولئك فأسروا وقتلوا فأقبلت عليهم الأسارى، فقالوا: ننشدكم الله من هذا؟ قالوا: بسر بن أرطاة، فقالوا: والله ما ولدت النساء مثله، فعمدوا إلى أمعائه فردوه في جوفه ولم ينخرق منه شيء، ثم عصبوه بعمائمهم وحملوه ثم خاطوه، فسلم وعوفي) .
وقد اختلف في صحبته، وكان من شجعان الأمة.
وهذا البراء بن مالك رضي الله عنه يوم اليمامة؛ حمله أصحابه في ترس ورفعوه على الرماح وألقوه على العدو، فقاتل وحده وقتل منهم عشرة وفتح الباب، وجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحًا، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة رضي الله عنهم - روى هذا البيهقي في السنن -
هذا وفي"الحديقة"آلاف من بني تميم؛ معتصمون بها، وهم مقاتلون أشداء.
وحمل أبو حدرد الأسلمي رضي الله عنه وصاحباه؛ على عسكر عظيم، ليس معهم رابع، ونصرهم الله على المشركين، واستاقوا غنيمة عظيمة.
وذكر الطرطوشي في"سراج الملوك"وغيره؛ أن عمرو بن معدي كرب نزل يوم القادسية على النهر فقال لأصحابه: (إني عابر على الجسر فإن أسرعتم مقدار جزر الجزور - أي مقدار نحر الواحد من الإبل - وجدتموني وسيفي بيدي، أقاتل تلقاء وجهي، وقد غفرني القوم - أي غطوني - وأنا قائم بينهم، وإن أبطأتم وجدتموني قتيلًا بينهم، ثم انغمس، فحمل على القوم) ، فقال بعضهم لبعض: (يا بني زبيد: علام تدعون صاحبكم؟! والله ما أرى أن تدركوه حيًا) ، فحملوا فانتهوا إليه، وقد صرع عن فرسه، وقد أخذ برجلي فرس رجل من العجم فأمسكها، وإن الفارس ليضربه فما يقدر الفرس أن يتحرك، فلما غشيناه؛ رمى الرجل بنفسه وخلى فرسه، فركبه عمرو وقال: (أنا أبو ثور، كدتم والله تفقدونني) .
وهذا عبد العزيز بن زرارة؛ يتعرض للشهادة في غزو القسطنطينية سنة خمسين، والتحمت الحرب يومًا واشتدت المقارعة؛ فشد على من يليه، يقتل، وانغمس في جمهورهم، فشجرته العلوج برماحها - أي شبكته برماحها من كثرتها واختلافها في جسده- فاستشهد رحمه الله.
وهذا علي بن أسد؛ كان قد يقتل وصنع أمورًا عظامًا، فمر ليلة بالكوفة، فمر برجل يقرأ من جوف الليل: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم} ، فقال علي: (أعد) ، فأعاد، ثم قال: (أعد) ، فأعاد، فعمد فاغتسل، ثم غسل ثيابه، فتعبد حتى عمشت عيناه من البكاء وصارت ركبتاه كركبتي البعير، فغزا البحر فلقي الروم، فقرنوا مراكبهم بمراكب العدو، قال علي: (لا أطلب الجنة بعد اليوم أبدًا) ، فاقتحم بنفسه في سفائنهم، فما زال يضربهم وينحازون، ويضربهم وينحازون، حتى مالوا في شق واحد، فانكفأت عليهم السفينة فغرق وعليه درع الحديد.
وأخلص من هذا السرد القصصي الجهادي؛ إلى أن قضية الانغماس في العدو والتعرض للشهادة وابتغاء مظان القتل قضية سلفية، كانت معروفة زمان سلفنا بلا نكير، يساعدها الأدلة التي سقت بعضها وفتاوى الفقهاء العظام، فكيف يُعترض اليوم على إخواننا المجاهدين الاستشهاديين ويذمون ويلامون إذا تابعوا أسلافهم وأخذوا بقول فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم؟!
اللهم إن هذا لشيء عجيب! وقرة عين لإخوان القردة والخنازير.
فليتق الله تعالى من يفتي بحرمة هذه العمليات الاستشهادية الرائعة، التي أفقدت اليهود جأشهم، وكدرت عليهم عيشهم، وأذهبت أحلامهم وأحلام من يعاونهم من دول الغرب أدراج الرياح.
والله المستعان
بقلم؛ الشيخ محمد بن موسى الشريف
1)لا يعترف الفقه الإسلامي بما يطلق عليه أهل زماننا مصطلح"المدنيين"، بل كل من كان قادرًا على حمل السلاح من أفراد العدو - حتى وان لم يكن منتظمًا في"السلك العسكري"- يجوز قتله.