لقد وجدت كثيرا من المقدمين لكتب المفيد يعتمدون في بيان أول عهده بالطلب، والتنويه بذكائه وفطنته وقدرته على فنون الجدل مع حداثة سنه، على ما ذكره أبو جعفر محمد بن منصور بن أحمد ابن إدريس الحلي (تـ598هـ) في خاتمة كتابه «السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي» ؛ حيث قال واصلا كلامه عنه بما يحكيه من كلام المفيد عن نفسه: «وكان هذا الرجل كثير المحاسن، حديد الخاطر، جم الفضائل، غزير العلوم، وكان من أهل عكبرى من موضع يعرف بسويقة ابن البصري [1] ، وانحدر مع أبيه إلى بغداد، وبدأ بقراءة العلم علي أبي عبد الله المعروف بالجعل، بدرب رياح، ثم قرأ من بعده على أبي ياسر غلام أبي الحبيش [2] ، بباب خراسان؛ فقال له أبو ياسر: لم لا تقرأ على علي بن عيسى الرماني [3] الكلام، وتستفيد منه؟ فقال: ما أعرفه ولا لي به أُنْسٌ؛ فأرسل معي من يدلني عليه. ففعل ذلك وأرسل معي من أوصلني إليه، فدخلت عليه، والمجلس غاص بأهله، وقعدت [حيث] انتهى بي المجلس؛ فكلما خف الناس قربت منه، فدخل إليه داخل فقال: بالباب إنسان يؤثر حضور مجلسك، وهو من أهل البصرة. فقال: هو من أهل العلم؟ فقال غلامه: لا أعلم، إلا أنه يؤثر حضور مجلسك. فأذن له، فدخل عليه، فأكرمه، وطال الحديث بينهما. فقال الرجل لعلي بن عيسى: ما تقول في يوم الغدير والغار؟ فقال: أما خبر الغار؛ فدراية. وأما خبر الغدير؛ فرواية. والرواية ما توجب ما توجبه الدراية. قال: وانصرف البصري، ولم يجر خطاب يورد ألبتة. قال المفيد ـ رضي الله عنه ـ قلت:أيها الشيخ، مسألة. فقال: هات مسألتك.
(1) - قال خير الدين الزركلي في ترجمة المفيد بالأعلام ـ 7/ 21: ولد في عكبرى (على عشرة فراسخ من بغداد) ونشأ وتوفي ببغداد.
(2) - ترجم له النجاشي في رجاله ـ ص 208 رقم 552 باسم: طاهر غلام أبي الجيش، وذكر أن عليه ابتداء قراءة الشيخ المفيد.
(3) - هو علي بن عيسى بن علي بن عبد الله، أبو الحسن النحوي الرماني (تـ384هـ) .