الصفحة 32 من 145

وإنه لا يضيرنا بعد ذلك أن نسلم مع القوم ثبوت حكاية ابن إدريس الحلي، دون أن يلزمنا مما ألزم به المفيد فيها أبا الحسن الرماني شيءٌ من قريب ولا بعيد؛ لأن الدراية عندنا أن طلحة والزبير ـ رضي الله عنهما ـ لم يخرجا إلى البصرة داعيين إلى فتنة، ولا لحرب الإمام الحق أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام. وإنما كان خروج الصحابيين الجليلين مطالبةً بالقصاص، الذي هو عندهما من أولى ما يجب على الإمام أن يُمَكِّنَ منه، ولم يُقتل واحد منهما في الميدان مُحاربا؛ فقد رُمِيَ طلحة بسهم لينشب القتال بفعل القائمين على الفتنة، والمستفيدين من تفرق الجماعة وعدم الفراغ للنظر في قضية القصاص. وعندما ذُكِّرَ الزبير بأنه على غير الحق في رأيه انصرف، فَسَيَّرَ الأحنفُ وراءه ابنَ جرموزٍ فقتله غيلة في طريق عودته إلى المدينة. أو كان خروجهما مع أم المؤمنين عائشة ـ رضوان الله عليهم جميعا ـ لرأب الصدع وجمع شمل المسلمين؛ فعارضهم من لم يفهم مقصدهم، أو من تنبه إليه ولم يرضه؛ فأثار عليهم عامل البصرة وأهلها، وأنشبت الفتنة أظفارها في الناس، فاختلط الحابل بالنابل، وجرى القضاء بما هو معروف؛ على ما حققه أبو بكر بنُ العربي محمد بن عبد الله المعافري المالكي (تـ543هـ) [1] .

وكان أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ على الحق في مطالبته الناس بالدخول في طاعته، وأن يَرفع له صاحبُ الحق البينة على القتلة بأعيانهم ليقتص منهم؛ لكن دخولهم في العسكرين حال دون ذلك، وما كان خلاف أهل الفضل من الفريقين على الإيمان والإسلام، وإنما كانت فتنة لم يستبن فيها وجه الحق، أو كان الخلاف في كيفية إنفاذ ذلك القصاص.

(1) - راجع كلامه في العاصمة من الخلط في هذا الأمر: العواصم من القواصم ـ ص 155: 164. تحقيق الدكتور محمد جميل غازي. ط2، دار الجيل ـ بيروت، لبنان 1407هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت