وصَنِيع ابن حجر هذا يدلُّ على أنَّه يذهب إلى صحَّة أو حُسن مرويَّات أصحاب القسم الأول، وضعف مرويَّات القسم الثاني، وتوقُّفه في أصحاب القسم الثالث.
ويدلُّ على ذلك أيضًا حُكم ابن حجر على مرويَّات أصحاب الأقسام الثلاثة في كتبه الأخرى، كـ"فتح الباري"و"تلخيص الحبير"وغيرهما.
ولأنَّ الحافظ ابن حجر - رحمه الله - لم يبيِّن مراده نصًّا بالمراتب التي ذكَرَها في"التقريب"، فقد اجتهد الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في"الباعث الحثيث"، وبيَّن حُكم كلِّ مرتبة، وبنى على كلام الشيخ أحمد شاكر كثيرٌ من طلاب العلم أحكامهم على الأسانيد، ولكنْ لم يكن شرح الشيخ أحمد شاكر لمراتب"التقريب"صحيحة كلها، وقد بيَّن ذلك الدكتور وليد العاني - رحمه الله - بيانًا شافيًا مُدعَّمًا بالأدلَّة والبراهين على خطَأ الشيخ أحمد شاكر في شرحه لمراتب الرُّواة في"التقريب"؛ لابن حجر، في كتابه:"منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها".
بل بيَّن أنَّ الشيخ أحمد شاكر نفسه لم يعتمدْ في أحكامه على الأحاديث على ما شرَحَه في"الباعث الحثيث"، بل خالَف ذلك في تحقيقاته؛ كتحقيقه لمسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وغيرهما.
وذكر الدكتور وليد (ص 34) قائمةً بأسماء جماعة من الرواة خالَف فيهم أحمد شاكر ما قرَّره في"الباعث الحثيث"عند شرحه لمراتب ابن حجر في"التقريب".
ويجدُر بالقارئ الاطِّلاع على كتاب الدكتور وليد العاني - رحمه الله - لأهميَّته في الموضوع.
هذا المنهج العام للبحث، وقد بذلت فيه جهدي ما استطعتُ،"فأسأل الناظر فيه ألا يتعمَّد العنت، ولا يقصد قصْد مَن إذا رأى حسنًا ستَرَه، وعيبًا أظهره، وليتأمَّله بعين الإنصاف لا الانحراف، فمَن طلب عيبًا وجدَّ وجد، ومَن افتقد زلَلَ أخيه بعين الرِّضا فقَدْ فقَدَ، فرَحِمَ الله امرأً قهَرَه هواه، وأطاع الإنصاف ونَواه، وعُذرنا في خطأٍ إنْ كان منِّي، وزلل إنْ صدَر عنِّي، فالكمال مُحال لغيرِ ذي الجلال، فالمرء غير معصومٍ، والنسيان في الإنسان غير معدوم ... فإنِّي وإن أخطأت في مواضع يسيرة، فقد أصبت في مواطن كثيرة، فما علمت فيمَن تقدَّمنا وأمَّنا من الأئمَّة القدماء، إلا وقد نُظِمَ في سلك أهل الزلل، وأُخِذَ عليه شيء من الخطَل، وهم هم، فكيف بي مع قُصوري واقتصاري" [1] .
(1) من مقدمة ياقوت الحموي لكتابه"معجم الأدباء" (ص 56) .