‹
الصفحة 27 من 27

ولذا وضع قبل (والصابرين) علامة وقف في المصحف؛ لأنها جملة مستأنفة.

ومنه قوله تعالى (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر) [النساء:162] ؛ فإن (والمقيمين الصلاة) منصوب على المدح؛ ولذا فيحسن الوقف قبلها والابتداء بها [1] .

خامسًا: قف - أيها الإمام المبارك - في الوقف والابتداء حيث بلغ علمك، وحذارِ حذارِ من تلمس الإغراب، وتكلف ما لا يساعد عليه معنى ولا لغة؛ فإن الوقف في القرآن تبع للتفسير، ومن وقف فقد أشار إلى المعنى بوقفه.

وإن الملاحظ على قليل من الأئمة في صلاة التراويح والقيام في هذا المجال ركوبَ متن الشطط، والوقوع في أقبح الغلط؛ فيأتون من الوقوف بما لو فقهوا مؤداه لَمُلِئُوا منه حسرة وأسفًا، وقتلوا ندمًا وخجلًا، وربما ظن أحدهم أنه أتى بما لم يأت به الأوائل، وتفطن لما عزب عن الجهابذة الأعلام.

وأذكر على عجالة بعض الأمثلة على ذلك، فمنها قراءة بعضهم: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص: 9] ، فقرأها (وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا) ثم استأنف (تقتلوه) ، أو أعاد (لا تقتلوه .. ) ومراده بذلك أن امرأة فرعون قالت له: إن هذا الغلام - الذي هو موسى عليه السلام- قرة عين لي، أما أنت فلا؛ أي فليس قرة عين لك؛ لأنه سيكون على يديه زوال ملكك. وهذا ليس بصحيح؛ لأمور:

1.أن امرأة فرعون آسية بنت مزاحم عليها السلام لا علم عندها بأنه سيكون على يدي هذا الغلام زوال ملك فرعون، وقد روى كثير من المفسرين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن امرأة فرعون لما قالت له: قرة عين لي ولك؛ قال لها: قرة عين لك أما أنا فلا؛ فهذا يدل على أنها قالت له: قرة عين لي ولك [2] .

(1) انظر: تفسير الزمخشري (1/ 590) ، تفسير القرطبي (6/ 13) ، تفسير البيضاوي (2/ 109) .

(2) انظر: تفسير الطبري (19/ 525) ، تفسير الماوردي (4/ 237) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت