الصفحة 26 من 27

تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) هي تبع لكلام الطائفة التي من أهل الكتاب في الآية الأولى؛ فإنهم يقولون لبعضهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم. فرد الله عليهم بقوله (قل إن الهدى هدى الله) وهذا بلا شك هو كلام الله تعالى. أما الجملة الثالثة في هذه الآية (أن يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم أو يحاجُّوكم عند ربكم) فهي عود لحكاية كلام الطائفة التي من أهل الكتاب، فالشاهد أن القارئ لو قرأ: (قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم) لأوهم أن هذا كله من كلام الله الذي رد به على أهل الكتاب، وفي الحقيقة أن قوله (أن يؤتى أحد .. ) ، هذا من كلام أهل الكتاب [1] ؛ ولذا حسن الوقف بعد (هدى الله) .

وهذه الجمل الثلاث في الآية (73) إما أن توصل جميعًا، فتقرأ هكذا (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم) ، فيكون كلام أهل الكتاب متصلًا وبينه الجملة الاعتراضية التي رد الله بها عليهم وهي: (قل إن الهدى هدى الله) ، أو أن يوقف عليها جميعًا، فتكون الجملة الأولى من كلام أهل الكتاب، والثانية رد الله تعالى عليهم، والثالثة تتمة كلام أهل الكتاب.

خ الوقف قبل المنصوب على الاختصاص؛ لأن الله سبحانه خصه بالمدح، فمن المناسب إفراده عما سبقه، وبخاصة أنه لا يعرب معطوفًا على ما سبقه، بل يعرب منصوبًا بفعل محذوف، ومن ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} [البقرة: 177] ومعنى الآية - والله أعلم-: ولكن البر فعلُ مَن آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والأنبياء، ومن آتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين ... ، ومن أقام الصلاة، ومن آتى الزكاة، والذين يوفون بعهدهم إذا عاهدوا، وأخص بالمدح الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس [2] .

(1) انظر: تفسير الطبري (6/ 515) .

(2) انظر: منار الهدى في الوقف والابتدا للأشموني (1/ 96) ، الجدول في إعراب القرآن/محمود صافي (2/ 353) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت