فهرس الكتاب
منها إلى حابي وانتابه إحساس بأن هذا اللقاء قد يكون الأخير، فعانقها
وودعها وداعا حارا، وما أن قفزت داخل القارب حتى ارتجف حابي خوفا وإشفاقا عليها من عبور النهر بمفردها، وخاصة وهي على هذه الحالة من الارتباك فعرض عليها أن يبحر معها لتوصيلها ويتولي هو قيادة القارب، لكي يطمئن على وصولها سالمة، لكن ايزا دورا رفضت خشية أن يكتشف أمر لقائهما.
إذا شاهدهما أحد وانتقل الخبر إلى القصر.
أمسكت ايزادورا بالمجداف وبدأت الإبحار إلى الشاطئ الشرقي في طريق عودتها بينما ظل حابي واقفا يراقبها وهي تدفع القارب ودموعها تسيل على خديها، والتوتر يسيطر على نفسها وتحركاتها، وكلما نظرت خلفها رأت حابي يلوح لها بيديه فترد التحية وهي تبكي، وعندما وصلت بقاربها إلى منتصف النهر اختفى حابي عن ناظريها، فظلت تلتفت إلى الخلف و تنظر إلى الجهة التي يقف بها ثم تعاود التجديف وتعود وتنظر إلى الوراء مرة أخرى ثم تعتدل وتمضي في طريقها، استمرت هكذا حتى اختل توازنها وسقط المجداف من يديها، انحنت على حافة القارب كي تلتقطه لكن .. الأمواج ألقت به بعيدا فلم تستطع الوصول إليه، مدت يدها في إصرار على الإمساك به فانقلب بها القارب وسقطت في الماء.
لم تكن ايزادورا تجيد السباحة أو تعرف فن العوم فغاصت في الماء وابتلعتها الأمواج بعد أن ظلت تصارع حتى خارت قواها وامتلأ جوفها بالماء وسكتت أنفاسها.
عندما طلع النهار لاحظ البحار أن قاربه ومجدافه يعومان على سطح الماء، تدفعها الأمواج بدون الجارية التي استأجرتهما فظن أنها ربما نزلت بالشاطئ الأخر وتركت المجداف والقارب فدفعتهما الأمواج، فنزل الرجل وسبح حتى استقل القارب والتقط المجداف وعاد بهما إلى المرسى على
الشاطئ وهو في دهشة وتعجب من أمر هذه الجارية المجهولة، وصار يفكر: ترى من هي! ولماذا لم تعد! وكيف تركت القارب والمجداف هكذا!
لكنه أقنع نفسه أن الأمر لا يهم كثيرا، خاصة أنها دفعت له ثمنا مجزيا من العملات الذهبية، كي يعيرها قاربه لعدة ساعات وها هو قد عاد إليه، لا يهم إذن إن هي عادت أو لم تعد، لا يجب أن يشغل نفسه بأمور الناس.
رغم ذلك ظل أمر تلكم الجارية وتصرفها الغريب سرا محيرا يود أن يعرفه بعد أن عجز عن تفسيره.