فهرس الكتاب
ـ 17 -
تم بناء المقبرة، ونقل جثمان ايزادورا إلى مثواها الأخير بعد التحنيط ووضع في تابوت فخم صمم على شكل سرير فاخر، وتفنن الأب في كتابة مرثيتين من الشعر الحزين باللغة الإغريقية،
تصور الحالة النفسية للأب بعد فراق ابنته، وراح يسجل قصتها للزمان متضمنة تاريخ وفاتها وإنشاء المقبرة - مائة وعشرون بعد الميلاد -
ما أسوء هذا التاريخ في حياتك يا كريتياس، ليتني لم أعش ولم أر هذا اليوم، هذى الأشعار الحزينة تنطلق من قلب أبيك يا ايزادورا إنها تنطق باللوعة والأسى والإحساس الطاغي بآلام الفقد والبكاء عليك أيتها الحبيبة الغالية، ثم أفاض الأب في سرد صفاتها فهي، الطيبة، الحنونة، الشفيقة، البريئة، الطاهرة، الفريدة، الحورية الجميلة، بهية الطلعة، قرينة فينوس، عروس السماء، محبوبة الجميع، هبة ايزيس.
استغرق كريتياس في وصف ابنته الشهيدة بقلب يعتصر ألما وحسرة، وعيون دامعة، وبداخله شعور قاتل بالذنب لما بدر منه من قسوة عليها والتفريق بينها وبين حابي، وظل يردد وهو ينتحب: كم كنت قاسيا ظالما، فلولا قراراتي الجائرة بحبسها داخل القصر لما هربت، إنني المسئول عن غرقها والمتسبب في موتها، بعد أن حرمتها من الحنان والحب والسعادة.
أظلمت مدينة انطونيو بولس بعد أن أطفئت أنوارها ورفعت رايات الحداد السوداء فوق مبانيها، وانعكست مسحة من الحزن على الإقليم كله، فقد كانت ايزادورا محبوبة من الجميع فحزن عليها كل من يعرفها وكل من شاهدها أو سمع بها، وتعاطف معها كل من عرف قصتها.
اهتز كيان كريتياس وصحا ضميره النائم، وعاد عدله الغائب بعد أن شاهد أبنته الغريقة ترقد كالزهرة الذابلة رقدتها الأخيرة في بيتها الجنائزي، وقف أمام المقبرة وكأنه في حساب مع النفس، وعاهدها وعاهد نفسه أن يكفر عن ذنوبه السابقة، ويصلح أحوال الناس، عساه بهذا يصير حاكما صالحا وعسى أن ترضى عنه ايزيس وترضى عنه ايزادورا في رحاب الأبدية.