وقوله سبحانه (وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) ، فكل شئ عند الله تعالى في كتاب محفوظ، وهو حافظ لأعمال ابن آدم فلا يعتريه النقص أو الزيادة، فلا عجب من قدرة الله تعالى، فالأمر لا يخرج عما قدره في اللوح المحفوظ.
وقوله سبحانه (بل كذبوا) للاستدراك، فالأمر لم يقف عند حد التعجب وحسب، وإنما صار بعد ذلك إلى إنكار وتكذيب، فبالرغم من الحقائق العلمية التي تشير إلى صدق احتمالية البعث، فإنهم يكذبون به، ذلك أن الكافر بالبعث لا يعمل لأجل الآخرة، ومن ثم لا ينتبه إلى ما يقول ولا يحرص على ما يفعل، وعليه فإنه لا يلزم نفسه بأي شيء من الآخلاق أو الآداب في المعاملات مع الناس، فضلا عن عدم احترامه للشعائر والعبادات والمعتقدات، فالإيمان بالبعث والحساب والجزاء هو مفرق الطريق بين فريقين لا تشابه بينهما بالمرة، ولذلك سمى المولى سبحانه الفريق الذي لا يؤمن بذلك بالمكذب، ذلك أنه لا يقف عند حد عدم الإيمان فحسب ولكنه لكي يتحلل من الالتزام بما تمليه عقيدة الإسلام، فإنه يكذب بها ويتهكم منها، أي يتخذ سياسة هجومية ضد أصحاب هذه الدعوة ومعتقدي هذا الدين، فمهما حاول أن يستر هجومه بإظهار عدم الإيمان بمعتقد الإسلام فإنه يكشف عن عناده وتكبره وتكذيبه للمؤمنين عن طريق تكذيب أصحاب الدعوة وأهل الحق (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) .
و العلاقة واضحة بين تكذيبهم بصدق النبوة وتكذيبهم بالبعث، فهم يتخذون من التشكيك في النبوة تكئة للتشكيك فيما جاء به النبي (ص) (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ) ، كما صدهم عن الإيمان بالبعث حسدهم لنبي الله تعالى على نعمته التي أنعم الله تعالى بها عليه، قال سبحانه (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا) {النساء/54} كما فعل بعض بني إسرائيل مع نبي الله طالوت وكما يفعل المجرمون اليوم حين يتشككون في صدق أهل الحق ونيتهم في الإصلاح دون أن يستندوا في ذلك إلى أي دليل أو بينة.
والقرآن يكشف السبب الحقيقي لهذا التكذيب لأهل الحق، والاتهام الباطل، والإصرار على ستر الحقائق، رغم أن الحق من الوضوح والجلاء ما ينأى عن اللبس و الغموض أو التشكيك و التكذيب