الصفحة 32 من 45

فقوله تعالى (لِلْمُتَّقِينَ) : أسلوب اختصاص ببشرى اقتراب الجنة، ذلك أن التقوى صفة جامعة لكل محاسن الأخلاق وسلامة العقيدة وحسن العبادات، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة) [1] ، وقد جاء الخطاب القرآني بالبشرى للمتقين، وقال عز وجل (إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (/49) ، وبذلك خلقت الجنة للمتقين وخُلق المتقون للجنة، فلا عجب أن تفرح الجنة وتقترب للمتقين حين يزفون إليها، يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله قال فيقول إبراهيم لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلا من وراء وراء اعمدوا إلى موسى - صلى الله عليه وسلم - الذي كلمه الله تكليما فيأتون موسى - صلى الله عليه وسلم - فيقول لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه فيقول عيسى - صلى الله عليه وسلم - لست بصاحب ذلك فيأتون محمدا - صلى الله عليه وسلم - فيقوم فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق قال قلت بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق؟ قال ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا [2] ، فالجنة تقترب وتتزلف من المتقين، ولمسافة بينهما قريبة غير بعيدة، فكان الإسراع إليها أدعى لإظهار الشوق إليها، فعندما يراها المؤمن أمامه يجتهد في السير إليها والعمل لها، فكلما اقتربت اقترب إليها، وكلما اقترب إليها اقتربت إليه، وهكذا يكون العمل الصالح مقترنا بالنية الصالحة، فكأن النية الصالحة هي العين التي تبصر الجنة، والعمل الصالح هو السرعة التي تقربنا إليها، فمنا من كان عمله الصالح كالبرق ومنا من يزحف به عمله الصالح إلى الجنة، قال سبحانه (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران/133) ،

قوله تعالى (هَذَا مَا تُوعَدُونَ) يحمل المؤمن على الاجتهاد في العبادة، لأنه قد وُعِد خيرا إن عمل خيرا، وصبر على ذلك، فعن النبي صلى الله عليه وسلم (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ) [3] ، ويأتي فيما يلي تفصيل الصفات التي استحق لأجلها عباد الله ما وعد الله، وهم بالجملة المصدقون

(1) رواه الترمذي ج 4 ص 633 رقم 2450 وصححه الألباني

(2) رواه مسلم ج 1 ص 186 رقم 195

(3) رواه البخاري ج 22 ص 424 رقم 6866

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت