الصفحة 33 من 45

بما وعد الله تعالى عباده المتقين، وهم كل من اتصف بالتقوى والإنابة إلى الله تعالى وحفظ ما أمره الله به أن يحفظه، ذلك الذي آمن بالغيب وخشي الرحمن بالغيب وجاء لربه بقلب سليم بقلب منيب.

قوله تعالى (لِكُلِّ أَوَّابٍ) : فيه إصرار من العبد الرجوع إلى الله تعالى بعد كل معصية تقع منه، فيندم ويستغفر لعل الله تعالى يغفر له يقول سبحانه (إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا) (النور/25) ، وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني و رجوتني غفرت لك على ما كان فيك و لا أبالي , يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء , ثم استغفرتني غفرت لك و لا أبالي , يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا , لأتيتك بقرابها مغفرة" [1] ."

قوله تعالى (حَفِيظٍ) : قال قتادة: هو الحافظ لما استودعه الله من حقه ونعمته، قال عز وجل (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ(البقرة/238) ، وقال تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) (المعارج/29) ، وقال سبحانه (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) (المعارج/34) ، كما مدح الحافظات فقال سبحانه (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) (النساء/34) ، ومدحهم جميعا فقال سبحانه (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(التوبة/112) ، وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروته وسنامه؟ قلت بلى يا نبي الله فأخذ بلسانه قال كف عليك هذا فقلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون مما نتكلم به؟ فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) [2] .

قوله تعالى (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) : والخشية هي التي تحول بين المسلم الوقوع فيما حرمه الله تعالى، وبقدرها تتحقق التقوى، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا يلج النار رجل بكي من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع) [3] ، وبذلك تكتمل دائرة الإيمان، قال تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) (يس/11) ، وخشية الله بالغيب هي مناط الابتلاء والتكليف، أما خشيته في الشهادة حيث تقوم الشهادة فلا يتحقق بها معنى الابتلاء، ذلك أن جميع المخلوقات سوف

(1) رواه الترمذي ج 11 ص 448 رقم 3463، وصححه الألباني: صحيح الترمذي ج 3 ص 175 رقم 2805

(2) رواه الترمذي ج 5 ص 11 رقم 2616 وصححه الألباني

(3) رواه الترمذي ج 4 ص 171 رقم 1633 وصححه الألباني: صحيح وضعيف سنن الترمذي رقم 1633 ج 4 ص 133

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت