الصفحة 34 من 45

تبعث يوم القيامة، فترى أن الله تعالى قد غضب في هذا اليوم غضبا لم يغضب قبله ولن يغضب بعده مثله قط، والناس حضور ويخشون ربهم سواء أكانوا مؤمنين أم كافرين، فالجميع يخشى غضب الله تعالى هذا اليوم، لكن أين الإبتلاء هنا وقد رأوا ما يستلزم خشية ولا يمكن معه اطمئنان؟ أما في الدار الدنيا التي هي دار ابتلاء فإن الخشية فيها يتحقق بها معنى الابتلاء، حيث يعرف العبد ربه ويخشاه وهو لا يراه، قال سبحانه (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي) (الأعراف/143) ، بذلك يتحقق معنى الابتلاء.

قوله تعالى (وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) : قال الطبري أي جاء الله بقلب تائب من ذنوبه راجع مما يكرهه الله إلى ما يرضيه، قال تعالى (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) (غافر/13) ، ولما كان أدرك الناس لمعنى الإنابة السلف الصالح، فقد نقلنا عن آدابهم: (الإنابة ثلاثة أشياء الرجوع إلى الحق إصلاحا ... كما رجع إليه اعتذارا ... والرجوع إليه وفاء ... كما رجع إليه عهدا ... والرجوع إليه حالا ... كما رجع إليه إجابة، وإنما يستقيم الرجوع إليه إصلاحا بثلاثة أشياء بالخروج من التبعات والتوجع للعثرات واستدراك الفائتات، وإنما يستقيم الرجوع إليه وفاء بثلاثة أشياء بالخلاص من لذة الذنب وبترك الاستعانة بأهل الغفلة تخوفا عليهم مع الرجاء لنفسك وبالاستقصاء في رؤية علل الخدمة وإنما يستقيم الرجوع إليه حالا بثلاثة أشياء بالإياس من عملك ومعاينة اضطرارك وشيم برق لطفه بك) [1] ، قال تعالى (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ(الزمر/54) .

قال ابن تيمية: (والإنابة جعلها مع الخشية .. ،وذلك لأن الذي يخشى اللّه لابد أن يرجوه ويطمع في رحمته، فينيب إليه ويحبه، ويحب عبادته وطاعته، فإن ذلك هو الذي ينجيه مما يخشاه، ويحصل به ما يحبه، والخشية لا تكون ممن قطع بأنه معذب؛ فإن هذا قطع بالعذاب، يكون معه القنوط، واليأس، والإبلاس. ليس هذا خشية وخوفا، وإنما يكون الخشية والخوف مع رجاء السلامة؛ .. فصاحب الخشية للّه ينيب إلى اللّه، وهذا يكون مع تمام الخشية والخوف، فأما في مباديها، فقد يحصل للإنسان خوف من العذاب والذنب الذي يقتضيه، فيشتغل بطلب النجاة والسلام، ويعرض عن طلب الرحمة والجنة، وقد يفعل مع سيئاته حسنات توازيها وتقابلها، فينجو بذلك من النار ولا يستحق الجنة، بل يكون من

(1) عبد الله الأنصاري الهروي - منازل السائرين ج 1 ص 17 - لناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، 1408 - 1988

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت