فهرس الكتاب
مِنْ خَلْقِكَ فَيَقُولُ أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) [1] .
يقول سبحانه (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا [2] فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ(36) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)
قوله تعالى (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ) تعود السورة إلى الوعيد والتهديد باستعجال العذاب في الدنيا، وكما بدأت بضرب الأمثلة بالأقوام السابقين فإنها قبيل خاتمتها تشير إلى أن إنزال العذاب في الدنيا وإهلاك الأمم كان من الكثرة بحيث يسهل الجزم بأنها سنة كونية تكررت في الماضي وسوف تكرر في المستقبل لكل من كان من جنس هذه الأمم التي أسرفت في المعصية ولم تعتبر ولم تتذكر أو تنتفع بشيء من الذكرى وما وصلها من خطاب الله تعالى
قوله تعالى (هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا) فهي قرون قبلهم وصلت من القوة والشدة ما لم يصل إليه المتأخرون، ولذلك لا يستعصي على الله تعالى أن يهلك الآخرين كما أهلك الأولين، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (يونس/13) ، فكان هذا هو مصيرهم في الماضي أما في المستقبل فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سيكون في هذه الأمة مسخ وخسف وقذف [3] ، فقال رجل من المسلمين يا رسول الله ومتى ذاك؟ قال إذا ظهرت القينات والمعارف وشربت الخمر [4] .
قوله تعالى (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ) فيه تصوير لمهلكهم، فهؤلاء القوم جابوا الصخر وطافوا بالأودية وقطعوا الأشواط و ساحوا في البلاد يمينا ويسارا، فلم يستعصِ عليهم شيء بل كانوا ينحتون من الجبال بيوتا، لكن حين نزل عليهم عذاب الله تعالى لم يستطيعوا منه فرارا أو مهربا، وقد اسطاعوا قبل أن ينزل عليهم العذاب أن يكيفوا حياتهم في الدنيا بحسب رغباتهم وحاجاتهم، فلم
(1) رواه البخاري ج 20 ص 216 رقم 6067
(2) قال الزجاج: أي ساروا في الانقاب حتى لزمهم الوصف به) مُشَدَّدًا يقول خَرَقُوا البلادَ فساروا فيها طَلَبًا للمَهْرَبِ فهل كان لهم محيصٌ من الموت؟ النَّقْبُ الثَّقْبُ في أَيِّ شيءٍ كان نَقَبه يَنْقُبه - لسان العرب ج 1 ص 765
(3) رواه ابن ماجة ج 2 ص 1350 والبخاري في الأدب المفرد ج 1 ص 170 رقم 484 وغيرهم
(4) رواه الترمذي ج 4 ص 495 رقم 2212 وصححه الألباني