فهرس الكتاب
ينفعهم تقدمهم العلمي أو التكنولوجي ولا قوتهم الجسدية وعددهم البشري في صد العذاب الله الذي نزل بهم.
قوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) فتقدم الأمم حضاريا ورقيها اجتماعيا وعلوها اقتصاديا لا يرتهن بما تملكه من إمكانيات مادية تحوزها ولا بعقول بشرية قادرة على إدارة ثرواتها ولا على الأيدي العاملة في صنع حضارتها، كل ذلك وإن كان مطلوبا إلا أنه لا يضمن بقاءها واستمرارها، وإنما يتوقف ذلك كله على مدى استعدادها للتربية الروحية والتزكية النفسية والطهارة القلبية، يقول سبحانه (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى) ، أي أن أشقى الناس لا ينتفع بالذكرى،، قال سبحانه (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج/46) .
إن إشكالية الأمم التي ضلت طريقها عن الله تعالى وتاهت في غياهب الظلمات أنها لم تفتح قلوبها للذكرى، ولم تلقِ بأسماعها لخطاب الله تعالى وإذا ما حاولت الاستماع فإن هناك ما يشغلها فلا تستفد مما سمعته شيئا لأنها لم تستمع بقلب حاضر وشاهد، وإنما غاب فكرها وعقلها عن التذكرة بما انصرفت به من متاع الدنيا وما ألهاها عن الاعتبار والموعظة، إن استحضار القلب وشهوده لهو من أهم وسائل الانتفاع بالمواعظ، ولذلك كان أول الناس دخولا في الإسلام من تميزوا بحسن الأخلاق والصبر على الاستماع والاستعداد للنقاش، وكذلك كان أبعد الناس عن الإسلام من فسدت أخلاقهم وظهر كبرهم وكبرياؤهم ولا يريدون أن يستمعوا لغيرهم وإنما يريدون أن يتحدثوا هم دون أن يستمعوا لأحد، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (غافر/56) .