الصفحة 4 من 45

الإقناع الوعظي بالبعث في سورة ق

اشتهرت سورة (ق) بأنها ترقق القلب لما بها من ذكر الموت والاتعاظ به، حيث كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعظ بها في خطبة الجمعة، فعن بنت لحارثة بن النعمان قالت: ما حفظت (ق) إلا من فيِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بها كل جمعة [1] ، قال العلماء سبب اختيار سورة (ق) أنها مشتملة على البعث والموت والمواعظ الشديدة والزواجر الأكيدة [2] ، ولذلك يُنطق هذا الحرف بمد حرفي مخفف ستة حركات مما يوحي باليقظة و الاهتمام لما سوف يتلى من أمر خطير [3] ، وبهذا يتعلم المسلم العناية بالأداء قبل البدء بالوعظ، فليس الواعظ هو مجرد سراد للمواعظ أو القارئ للآيات والأحاديث أو من يحكي القصص، وإنما لابد تكون لديه قدرة تأثيرية تنبع من لسان يعكس بصدق ما يئن به قلبه وما يجول بخاطره وما يشعر به ضميره، وإلا فلن تكون للموعظة تأثير متى خرجت من لسان يتخذ من الوعظ وظيفة تعود عليه بالنفع المادي أو عادة تعودها لمكانته من قومه، فقد كان حال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين يعظ قومه مؤثرا تأثيرا شديدا، يقول جابر بن عبد الله (وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه نذير جيش) [4] .

وقد سميت بحرف الهجاء (ق) وابتدأت بالقسم به وبالقرآن المجيد، وكلمة (القرآن) تبدأ أيضا بحرف القاف، وهو حرف يُعرف بأنه من أحرف التفخيم لا الترقيق ومخرجه من أقصى اللسان قريبا من الحلق بعيدا عن الفم، وكأنها تخرج من الحلقوم مثلما تخرج الروح، وقد توسط السورة ذكر الموت وخروج الروح، كما يتسم حرف القاف بالجهر لا الهمس، والشدة لا الرخوة، والانفتاح لا الإطباق، والإصمات ولا الإذلاق وهي كلها صفات للحرف تتناسب مع جو السورة الذي يغلب عليه الوعظ والتأثير العاطفي المصحوب بالخوف بما يؤدي إلى إيقاظ الإيمان في القلب، ولذلك اختمت السورة بقوله سبحانه (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) فهي تذكرة فيها شيء من الوعيد للانتباه والاستيقاظ والتهيئة لاستقبال الإيمان ونداء الرحمن.

(1) رواه مسلم ج 2 ص 595 رقم 873

(2) قاله النووي في الشرح على صحيح مسلم الحديث رقم 873

(3) في ظلال القرآن للشيخ سيد قطب

(4) رواه النسائي حديث رقم 1578 ج 3 ص 188 وصححه الألباني - ومثله عند أحمد في مسنده ج 3 ص 310 رقم 14373

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت