الصفحة 5 من 45

ولقد تنوعت الموعظة في أكثر من تقسيم، حيث ابتدأت بالقسم بالقرآن المجيد للتأكيد على أنه الحق من الله، وأن ما يعجب منه الكافرون إنما هو الباطل، ولذلك دلل القرآن كعادته على معجزة القرآن الكريم - وهي معجزة معنوية تربوية تحمل البشرية على الهداية للحق - ثم الإشارة إلى معجزات الله تعالى الكونية من سماء وأرض وجبال ونبات ومطر وحب ونخل تمهيدا لأن يهتدي القلب البشري إلى الإيمان بالبعث وإحياء الناس من القبور بعد الموت، ثم الحساب والجزاء، كما حذرت من أن يكون مآل الناس كمآل أسلافهم من المكذبين من قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة من الهلاك لما أنكروا البعث وكذبوا به.

ويضرب المولى سبحانه المثال بخلق الإنسان مؤكدا علمه سبحانه بكل ما يجول في خاطره وما يدور بخلده وما يعتريه من هواجس، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ، حيث أوكل به ملكان يحصيان عليه كل صغيرة أو كبيرة، وفجأة تأتيه لحظة الموت، تلك اللحظة التي كان يحيد عنها بفكره فينشغل بما هو فاني عما هو باقي، فمن مات قامت قيامته، ويأتيه عمله يسوقه إلى ربه، وتشهد عليه جوارحه بعدما شهد عليه قرينه من الملائكة، فينكشف عنه ما غاب عنه، ويبصر من أمور الغيب ما كان يؤمن به دون أن يراه - إن كان مؤمنا -، أو ما كان يكذب به من قبل - إن كان كافرا -، فيبدأ الحساب حيث يشهد عليه أول ما يشهد الملك الذي وكل به، وقد أحصى عليه كل شيء، وعده عدا ليصدر الحكم علي الأخير بالترك في جهنم بقدر ما كفر وعاند ومنع واعتدى وارتاب في أمر الآخرة، ومن ثم عبد غير الله تعالى، فيلقى في العذاب جزاء ذلك، وعندئذ ينطق الشيطان متبرأ من مصير من كفر من ابن آدم، ومؤكدا أن دوره كان يقتصر على تعريف ابن آدم طريق الضلال، وذلك في مقابل ذلك جهد الأنبياء لتعريفه بطريق الهدى والرشاد، بيد أن الجدال يحتدم بين هؤلاء الكفار والشياطين، فيحسمه المولى سبحانه بالتأكيد بأنه ليس بظلام للعبيد، فطالما كانت الدعوة من الشيطان بلا سيطرة على أتباعه وكانت الدعوة من أهل الحق بلا إجبار لأحد - كما أشارت بذلك آخر السورة - وكان الإنسان قد ملَّكه الله تعالى حرية الاختيار لأي من هذين الطريقين (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) فهو الذي يلفظ وقبل أن يلفظ كان عليه أن يراقب قوله ويعده قبل أن يُعد عليه، فإنه سبحانه القائل في كتابه (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ، ثم ينتقل الخطاب الرباني لجهنم فيسألها هل امتلأت؟ فتقول هل من مزيد، كناية على كثرة من يعذب في النار يومئذ لاستحقاقه العذاب ولا ظلم اليوم، وفي المقابل تقترب الجنة من أهلها مبشرة لهم باقتراب النعيم فور الفراغ من الحساب، وما وعده الله لهم نظير خشيتهم للرحمن وإيمانهم بالغيب وما أضمروه في قلوبهم من الإنابة لله تعالى، (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ) ، فاليوم هم آمنون ولهم ما يشاءون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت