وبعد هذا العرض الموجز لخلق الإنسان وقبض روحه وحسابه ومصيره تشرع السورة لتوجه خطابها إلى من لم يصر بعد إلى هذا المصير لتذكره بمهلك أسلافه من الأقوام السابقين الذين عرفوا بالبطش والقوة فلم يغن عنهم ذلك من بطش الله شيء، فذاك هو مصيرهم في دار الدنيا، وذلك هو ما سوف يُستقبل من مصيرهم في الدار الآخرة، (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ) ، لتؤكد السورة أن المقصد من ذكر مصير هؤلاء في الدنيا، ومصيرهم في الآخرة ليس إلا التذكرة لمن لم يصر إلى مصيرهم بعد، مؤكدة أن تلك التذكرة لا يستقبلها إلا من لا يزال في قلبه فرصة للاتعاظ والاعتبار.
وتهدئ السورة من حالة الرهبة التي أصابت القارئ من تصوير مشاهد الفزع والخوف التي تَعرِض مصير الظالمين في الآخرة ومصيرهم في الدنيا، لتذكرنا مرة أخرى بمعجزة خلق الله تعالى للسماوات والأرض، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) ، تمهيدا لاستقبال الأمر من الله تعالى بالصبر على جهل هؤلاء الظالمين، والتزام الذكر والتسبيح حتى يأتي يوم الصيحة بالحق، ذلك اليوم الذي تتشقق الأرض عنهم فيسيرون إلى محشرهم، ويحاسبهم الله تعالى على ما كانوا يقولون اعتقادا، (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ) ، مؤكدة أن دور الدعاة إلى الله تعالى يقف عن مرحلة التذكير بالقرآن دون إجبار أحد على الإيمان، (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) ، حتى لا يتصور أحد أن استخدام الدعاة لأسلوب الترهيب والإنذار الشديد هو وصاية على أحد، فليس ذلك إلا تذكرة ولم يتعد حد الوعظ والإرشاد، لتختتم الآيات بأن هذه التذكرة سوف تصل إلى من له قلب ومن يخاف وعيد ربه دون من خُتم قلبه بالكفر، (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) .