فهرس الكتاب
وتجدر الإشارة إلى أن الاستماع للصيحة يتميز بخصائص ثلاث، وذلك على التفصيل التالي:-
الأول: أنه من مكان قريب: قال ابن عجيبة: (بحيث يصل نداؤه إلى الكل، على سواء) ، أي ليسمعه من بعد كما يسمعه من قرب [1] ، وفي ذلك إشارة إلى أنه قبل توجيه الخطاب الدعوي لابد وأن يتحقق الدعاة إلى الله تعالى من مكانتهم من المدعوين، ولابد للداعية أن يصل للمدعو حيث كان، لا أن ينتظر اقترابه منه أو احتشاد الجمع له، وإنما عليه أن يصل إليهم ويقترب من قلوبهم، عندئذ وحين يبدأ خطابه الدعوى سوف يجد الآذان الصاغية والقلوب المتفتحة، فالمولى قادر على أن يوصل الصيحة لآذان الأموات فيخرجون من مكان بعيد، ولكن قرب المكان الذي تأتي منه الصيحة تعليم لنا أن نلتمس ذات المنهج حال إيصال الخطاب الدعوي للمدعوين، قال تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) (سبأ/51) .
الثاني: أنه لن يكون بخطاب هادئ مثلما كان عليه الدعاة في دار الدنيا، وإنما سيكون صيحة صاعقة تذهلهم عما يشغلهم غير الساعة والحساب، قال تعالى (وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) (سبأ/52) ، أي لما كان الخطاب الدعوي هادئا في الدار الدنيا ولم يؤمنوا به بل كذبوه، أضحى الخطاب صاعقا حال خروجهم من قبورهم فآمنوا بالبعث - أي وهم في حال البعث - فأني لهم أن ينالوا هذا الإيمان وقد أضحوا في عالم الشهادة، أما قبل ذلك فقد كانوا في عالم الغيب في الدار الدنيا التي بعدت عنهم بالبعث وقلبت صفحاتها.
والثالث: أن الاستماع سوف يكون بحق لا مجرد سماع خال من الفهم، ولكن بعد فوات الفائدة لأنه يوم الخروج، فكم حاول الدعاة إلى الله تعالى أن ينبهوا قومهم وينذرونهم لكنهم ظلوا في غفلتهم يعمهون، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيه) [2]
قوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ(43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ): يشير إلى القدرة المطلقة لله تعالى في (الإحياء والإماتة ثم البعث والجمع والحشر لتقرير المصير) ، فالأمر يسير ويسهل تصوره، فكما تصور الإنسان تشقق الأرض لإنبات النبات من بذرة قد تبدو للعيان أنها ميتة ثم تصبح بقدرة الله تعالى شجرة وزرعا، فكذلك تتشقق الأرض يوم القيام لإنبات الأموات أحياءا بعد الحياة البرزخية لجمعهم إلى محشرهم، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ينزل الله من السماء
(1) تفسير ابن عجيبة ج 6 ص 139، الإمام البقاعي ج 8 ص 190
(2) رواه مسلم ج 4 ص 1789 رقم 2284