فهرس الكتاب
يستفاد مما تقدم أن يكون الوقت من قبل طلوع الشمس، وهو وقت في قبل أن يبدأ النهار، وكذا الوقت قبيل نهايه، أي قبل الغروب، استقطاعا من عمل النهار، ثم الوقت من مبتدأ الليل حتى الفجر وقبيل طلوع الشمس قد خصه المولى سبحانه للذكر والتسبيح، حيث يلاحظ أن المسلم قلما يجد في تلك الأوقات ما يشغله بالعمل والتعايش مع المجتمع في الأعمال والأسواق للكسب والرزق أو متسعا للجلوس في النوادي مع الناس، وإنما يغلب أن يكون في بيته ومأواه جالسا في مسجده مربيا نفسه أو متربيا مع إخوانه على كتاب الله وسنته، بينما يكون الوقت طوال النهار للمعاش والتعايش مع الناس يؤثر فيهم بأخلاق الإسلام، والمعاملة الحسنة، ولا يتأثر بهم إلا بما يجدد نيته ويصحح مسلكه ويقوي عزيمته ويثبت جأشه.
يقول سبحانه (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ(41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44)
ينتقل الخطاب القرآني من الحديث عن الدعوة الإسلامية والدعاة إلى الله للحديث عن الغافلين من المدعوين الذين لم ينتبوا بعد لنداء إخوانهم الدعاة المسلمين، أولئك الذي أصموا آذانهم وأعموا أبصارهم حتى لا يسمعوا نداء الرحمن، وكأن قول الله تعالى (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (الزمر/45) قد نزل فيهم، فيخبرنا المولي سبحانه أن الخطاب الدعوي لن يذهب سدى، فإن لم يستمعوا له في الدار الدنيا فإنهم سوف يسمعونه حال خروجهم من القبور صحية لا رفق فيها ليس برفق، وقد كانوا من قبل يكذبون بها، فيحق الله الحق عليهم، ليسمعها كل من صم آذانه عن نداء الرحمن، والأمر في قوله سبحانه (وَاسْتَمِعْ) للنبي - صلى الله عليه وسلم - والظرف الذي يكون فيه الاستماع هو (يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) وهذا الظرف يتضمن ظرفا آخر وهو (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ) ، وثمة تعريف لهذين الظرفين وهو (ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) ، فكأن من لم يكن له قلب ولم يلقِ السمع للإخبار بالبعث، سوف يستمع لصيحة الخروج مكرها رغما عنه لأنه امتنع عن الاستماع طواعية للدعاة الذين حاولوا إخباره بذلك.