الصفحة 43 من 45

ويتشتت المجهود إلى شيء أولى من ذلك كله ألا وهو الذكر والتسبيح، يقول سبحانه (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) (49/الطور) ، أليس ذلك أولى من الرد عليهم! وهذا ما يجعل المسلم ملتزما طريق الدعوة الصحيح لا يحيد عنه ولا ينزلق إلى مهاترات فكرية وسفسطة لغوية ومعتركات وهمية، إنه الذكر والتسبيح زاد المسلم التربوي الذي يطلبه في كل آن وحين.

وقد خص المولى سبحانه أوقاتا معينة للذكر وأحوالا معينا يستحب الإكثار فيها منه، كما قرن القرآن الكريم - في أكثر من موضع - الذكر والتسبيح بحركة الشمس طلوعا وغروبا، قال سبحانه (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) (الأنبياء/55) ، وجعل مواقيت الصلاة مرتبطة كذلك بدوران الأرض حول محورها وما يستتبع ذلك من تأثرها بنور الشمس حيث يشرق عليها ثم يشتد وينزوي الظل ثم يمتد مرة أخرى بعد الاستواء ثم يستطيل حتى لا يكون للشمس نور ثم يشتد الظلام فيغيب شفق الشمس بالكلية ويشتد مرة أخرى حتى يكون حالكا ثم يظهر أول خيط لنور الشمس من الفجر، وهكذا يرتبط الذكر والتسبيح وكذلك الصلاة بالمتغيرات الرئيسية والدورية لهذا الكون ألا وهي نور الشمس وحركة الأرض، يقول سبحانه (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) (طه/130)

وقوله تعالى (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) وله مترادفات في القرآن بمعنى (الإبكار) (الغدو) [1] ، وقوله تعالى (وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) له كذلك مترادفات في القرآن بمعنى (العشي) وهو (وقت الأصيل) [2] ، يقول سبحانه (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ) (الرعد/15) ، أما قوله سبحانه (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) ففيه تخصيص لليل للذكر والتسبيح، قال تعالى (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) (الأعراف/205) ، وكذلك في أحوال الصلوات الخمس، قال سبحانه (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ(النور/36) .

(1) معجم ألفاظ القرآن الكريم ج 1 ص 123

(2) معجم ألفاظ القرآن الكريم ج 1 ص 42

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت