الصفحة 8 من 45

بآيات الله تعالى ويستكبر أن يتبع الأنبياء و الصالحين، وفي ذلك إشارة إلى ضرورة أن يكون الداعية من بين القوم الذين يوجه إليهم دعوته، (مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) ، وذلك حتى لا ينال الاستغراب أو النقد والاستهجان بما يحملهم على عدم الانصياع له، والمقصود أن يحملهم ذلك التعجب على اتباعه لا إلى النفور منه، فكان الأيسر أن يدعو المسلم العربي غيره من العرب، ويدعو المسلم الأعجمي غيره من الأعاجم، فذلك أدعى إلى استيعاب الدعوة أيسر وأسرع، كما يراعى كذلك أن يكون الداعية في مهنة قومه وثقافتهم، فإن كانوا أميين فالداعية إن كان أميا أيسر، قال تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ) (الجمعة/3) ، وإن كانوا مثقفين فالمثقف مثلهم أقرب، قال سبحانه (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم/3) .

ثم عجبوا تارة أخرى من أمر البعث (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) وهذا تعجب استنكاري هذه المرة، حيث يستبعدون أنهم بعد أن تتحلل أجسادهم و تصبح ترابا يرجعون مرة أخرى أحياء بعد البعث، وكم عجبوا من هذا الأمر وكم جادلوا وتهكموا وسخروا إذ لم يؤمنوا بما أخبر عنه القرآن من أن الحياة الدنيا لابد وأن يتبعها حياة أخرى في الدار الآخرة، و أن الأموات سوف يبعثون ويحيون من جديد، ولماذا يحدث ذلك؟، تلك أمور كفيلة بأن تغير مفهوم الإنسان عن الحياة وسعيه فيها لو أيقنها، فتلك الشبهة التي اعترت هؤلاء القوم يمكن إزالتها بشئ من التدبر والتفكر، فيؤكد سبحانه علمه بأنه على علم بحال الأرض حين تأكل أجسادهم و تبليها، تلك الحقيقة التي تعني سواسية بني آدم جميعهم في المصير، ولا فرق لغني عن فقير في السير إلى هذا المصير، أي أن هذه سنة لا تتغير و لا تتبدل و هي أن الأرض تأكل الأجساد دون تفرقة بينهم ومهما خلدوا في الدنيا فمصيرهم إلى الفناء.

فإن آمنوا بالفناء، فلا تزال تلك الشبهة عالقة في أذهانهم، إذ كيف يبعثون بعد الفناء، فيرد المولى سبحانه وتعالى على هذه الشبهة التي لا تزال هي سبب افتراقهم عن أهل الحق (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) ، فيثبت حقيقة علمية (قد علمنا) غابت عن البشر أزمنة كثيرة، وقد كشفها القرآن ليثبت صدقها علماء الاكتشافات الحديثة، انطلاقا من قول النبي (ص) (لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلاَّ يَبْلَى، إِلاَّ عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [1] ،

(1) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ج 1 ص 922

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت