شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) [1] ، فبين تعالى أن من أراد التحاكم إلى الطاغوت أنه كاذب في دعواه الإيمان؛ لأن الإيمان هوالقبول عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم الخبر والأمر بدون نظر أواختيار لنفسه {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا ... مُبِينًا (36) } [2] وقوله تعالى: {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} ، يبين أن عصيان الأمر ليس من خُلق المؤمن، ولكن أكثر الناس يتبع الشيطان في ضلال بين واضح.
ثم أخبر أن نهجهم غير نهج المؤمنين لأن المؤمنين إذا دعوا إلى كتاب الله أوسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قالوا: سمعًا وطاعة، أما هؤلاء فإنهم إذا دعوا إلى ذلك صدوا عن الداعي وأعرضوا كأنهم لم يسمعوا.
ثم أقسم تعالى أنه لا يحصل الإيمان لمن لا يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في كل خلاف يحصل له، ولابد من الرضا بحكمه والانقياد له والتسليم. وإذا لم يحصل ذلك فينتفي ظاهر الإيمان، وباطنه حيث يدخل فيه عمل القلب والجوارح مما يبين نفي الإيمان والانتفاء، موجبه أوبعضه، قوله تعالى في وصف من أعرض عن حكم كتاب الله ولوفي بعض الأمور: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [3] ، فنفي عنهم الإيمان لتوليهم وإعراضهم عن حكم الله تعالى وهويدل على أن تحكيم كتاب الله إيمان والتحاكم إلى غيره كفر.
وظاهر أن هذا التحاكم وعدمه يكون باطنًا وظاهرًا ... أعني عمل القلب والبدن.
وفي قوله تعالى: وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ
(1) النساء: 60 - 65.
(2) الأحزاب: 36.
(3) المائدة: 43.