وقد قال تعالى: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [1] وقال تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) } [2] وقد يكون الإنسان منكرًا لأشياء لا يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بها ثم يتبين له أنه صلى الله عليه وسلم قالها فيصدق بها فيزداد بذلك إيمانًا لم يكن معه قبل ذلك.
أما تفاضل الناس في الأعمال الظاهرة فهومحل اتفاق بين أهل السنة والمرجئة، ولكنهم ينازعون أهل السنة في دول الأعمال في مسمى الإيمان ويقولون: إذا أطلق عليها أنها إيمان فذلك مجاز، ويجعلون الزيادة في الأعمال والنقص من ثمرات الإيمان ومقتضياته.
وأما الإيمان نفسه فلا زيادة فيه ولا نقصان. وجواب ذلك أن يقال: إن الأعمال من لوازم الإيمان وموجباته فيمتنع أن يوجد إيمان تام في القلب وأن لا يوجد عمل في الجوارح، فتصورهم لذلك مجرد نظرية ذهنية لا حقيقة لها في الخارج العملي.
فإذا وجد الإيمان فلا بد من وجود الحب والخوف والرجاء والإخلاص ونحوذلك من أعمال القلب، ويتبع ذلك قول اللسان وعمل الجوارح.
وقولهم: إن الإيمان حقيقة في التصديق ومجاز في الأعمال.
جوابه: أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز مسألة خلاف بين العلماء، فإذا لم يصح هذا التقسيم فلا كلام لأن الحجة باطلة من الأساس.
وإن صح التقسيم فنقول: إن قولكم إن تناول الإيمان للأعمال مجاز باطل لأن الحقيقة هي اللفظ الدال على المراد بلا قرينة والمجاز ما دل عليه بقرينة، وقد تبين من أدلة الكتاب والسنة أن الإيمان إذا أطلق دخلت فيه الأعمال، وإنما يزعم من يخرجها عن الإيمان إذا جاء الإيمان مقيدًا بالعمل، فعلى هذا يكون قوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» حقيقة.
وأما زيادة الإيمان بأعمال القلوب فأمر ظاهر جدًا فالناس يتفاوتون تفاوتًا ظاهرًا محسوسًا لهم
(1) الكهف: 28.
(2) الذاريات: 55.