فهرس الكتاب
ففي قوله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) تلخيص للغاية من الخلق و الهدف من الحياة بما يؤكد على أنها"العبادة"باستخدام أسلوب الحصر والقصر اللغوي باستخدام أداة النفي (ما) والاستثناء (إلا) ولام التعليل التي سبقت الفعل المضارع (يعبدون) ، والنون للوقاية لحذف الياء محل نصب مفعول به، أي أنه لا غاية ولا شغل يشغل الجن والإنس عن عبادة ربهم سبحانه وتعالى، وما تعميرهم لهذا الكون ولا استخلافهم في الأرض ولا قيامهم بطلب أسباب الرزق إلا للعبادة باعتبار أن ذلك كله يوصل إلى تطبيق منهج الله تعالى سبحانه، فكل ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب، ولما كان العبد الذي يصلي ويسجد يحتاج لمأكل ومشرب وملبس ومأوى، فإن سعيه للأجل ذلك كله والتماس أسباب الرزق في كل ذلك هو أيضا عبادة لأنه يوصل لعبادة، ولذلك قال الإمام الشاطبي: (ما جاء في القرآن من الآيات الدالة على أن المطلوب من العبد التعبد بإطلاق وأن على الله ضمان الرزق كان ذلك مع تعاطي الأسباب، كفي قوله تعالى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى، فهذا واضح في أنه إذا تعارض حق الله وحق العباد فالمقدم حق الله فإن حقوق العباد مضمونة على الله تعالى والرزق من أعظم حقوق العباد فاقتضى الكلام أن من اشتغل بعبادة الله كفاه الله، فهو كله نص في ترك الاعتماد على الأسباب وفي الاعتماد على الله والأمر بطاعة الله، وأن أصل الأسباب التسبب وأنها لا تملك شيئا ولا ترد شيئا وأن الله هو المعطى والمانع وأن طاعة الله هي العزيمة الأولى) [1] .
يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (في بضع أحدكم صدقة) أي حين يعاشر الزوج الزوجة يكون لكلاهما أجر، ولذلك أثار ذلك استغراب الصحابة فقالوا يا رسول الله أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا) [2] ، فيستطيع المسلم أن يجعل عاداته كلها عبادات متى وضع في نيته قصد ابتغاء العبادة منها ومتى أفضت إلى تحقيق عبادة، يقول الإمام النووي: (فالجماع يكون عبادة اذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به أو طلب ولد صالح أو إعفاف نفسه أو إعفاف الزوجة ومنعهما جميعا من النظر إلى حرام أو الفكر فيه أو الهم به أو غير ذلك من المقاصد الصالحة)
وفي قوله تعالى (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) قطع لشبهة الاستغراق في جمع الرزق بحجة العبادة بمفهومها الأعم، ذلك أنه عندما يعلم الإنسان الغاية من خلقه والمقصد من تلمس أسباب الرزق فإنه حينئذ لا يعتمد على الأسباب وإنما يأخذ منها ما يحقق مقصده من العيش حتى يتفرغ للعبادة المحضة -
(1) الموافقات للشاطبي ج 3 ص 249 - 253
(2) رواه مسلم ج 2 ص 697 رقم 1006