الصفحة 48 من 49

إلا حين يأتي حينه، يقول سبحانه (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران/20) ، فعلي الدعاة إلى الله تعالى أن يلتزموا المنهج الذي شرعه الله لهم دون وصاية على أحد أو وكالة عنهم أو رغبة في السيطرة عليهم، ملتزمين حد البلاغ إلى الله تعالى، يقول سبحانه (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) {فاطر/8} ، ذلك أنه إذا ما وقع العذاب اتعظ به من اتعظ من المؤمنين واعتبر وافتكر، فكيف هو حال غيرهم من القوم الذين لا يؤمنون، يقول سبحانه (وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) (يونس/101) .

وفي قوله تعالى (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) استدراك عن التولي قال المفسرون [1] : لما نزلت هذه الآية (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ) اشتدّ ذلك على الصحابة وظنوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر إذ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتولَّى عنهم، فأنزل الله: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين} فطابت أنفسهم، والمعنى: ليس التولي مطلقًا، بل تَوَلَّ وأَقْبِلْ وأَعرض وادعُ فلا التولي يضرك إذا كان علهيم، ولا التذكير يضيع إذا كان مع المؤمنين [2] .

وفي ذلك كذلك تحديد لوظيفة الدعاة إلى الله حيث يقف الداعية عند مقام التبليغ والتذكير فحسب، فلا يكون همه السيطرة أو الاستئصال للقوم الظالمين، وإنما التبليغ واجب عليه وهو كفيل به لمن لم تصل إليه دعوة الإسلام كاملة وصحيحة بلا تشويه ولا تزييف، والتذكرة في هذا المقام أشد من البلاغ جهدا لأن العبرة فيها الاستمرار حتى الإفاقة أو حضور الأجل، وفي ذلك توصية لتوجيه الجهد الدعوى إلى العمل التربوي الخاص بالمسلمين، فهذه الطائفة المؤمنة التي نجت من عذاب الله تعالى لا ينبغي أن تترك وشأنها، وإلا لهزمها الشيطان مرة أخرى، ليضع الدعاة إلى الله التواصي بالحق والتواصي بالصبر نصب أعينهم، وتكون تربية الصف الداخلي أولى اهتمامات المسلمين في نشر دعوة الإسلام.

قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [3] (58)

(1) الطبري في جامع البيان في تفسير القرآن ج 22 ص 443 الزمخشري في الكشاف ج 4 ص 408، البغوي في تفسيره ج 7 ص 380، ابن عطية في الوجيز ج 5 ص 164، الخازن في لباب التأويل في معاني التنزيل ج 6 ص 247

(2) أبو حفص الدمشقي: اللباب في علوم الكتاب ج 14 ص 404

(3) قال الألوسي: (زيد الوصف بالمتين وهو الذي له ثبات لا يتزلزل)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت