فهرس الكتاب
وفي قوله تعالى (وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) نهي للتحذير من الشرك بالله، وفي ذلك إشارة إلى ضرورة الإهتمام بالجانب التربوي في المجتمع حين يلتزم عبادة ربه سبحانه، ووجوب تطهير العبادة من أي شرك بالله تعالى، حتى لا تعود الكرة مرة أخرى، انظر كيف أن بني إسرائيل لما نجاهم الله تعالى من فرعون وجنوده وتركهم موسى عليه السلام أربعين يوما ليأخذ التوراة من ربه، عاد إليهم فوجدهم تركوا عبادة الله تعالى وعبدوا العجل من دون الله، أيعقل بعد أن منَّ الله تعالى على الذين أمنوا وأنجح ثورتهم وأهلك الظالمين الذي طغوا عليهم وتكبروا أن يعودوا فيعبدوا العجل ليشركوا بالله تعالى مرة أخرى؟! لما لا وقلوبهم قد أشربت بالشرك، ويتحينون اللحظة لتنتكس فطرتهم مرة أخرى، قال تعالى (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) {الأعراف/138} .
قال تعالى (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ(52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)
ففي قوله تعالى (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) إسقاط للواقع الذي حكته الآيات من قبل على الواقع الذي يعيشه قوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ونعيشه الآن من بعده، فحين قابل القوم السابقون رُسلهم بالافتراء والاتهام والتكذيب، فإن هؤلاء القوم يقابلون اليوم دعاة الحق إلى الله تعالى بالافتراء والتشنيع والتكذيب كذلك، والعجيب أن هذه الطريقة التي يكذبون بها الأنبياء والدعاة والرسل هي هي ذاتها التي يكذبونهم بها من قبل والآن وفيما يستقبل، وكأنهم يتواصون معا على طريقة واحدة للصد عن سبيل الله تعالى، وذلك لأن قلوبهم تشابهت حيث ملأها الطغيان والتجاوز لحدود الله تعالى، قال سبحانه (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (البقرة /118) .
ففي قوله تعالى (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ) علاج لإشكالية حرص المؤمنين على قومهم حتى لا يكون مصيرهم مصير القوم الغابرين، فتنزل عليه سنة الله في الذين ظلموا فيُهلكوا كما أُهلك الذين من قبلهم، يقول المولى سبحانه (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) {الكهف/6} ، فيأتي الأمر من الله تعالى بالإعراض عنهم والتولى عن شركهم، ذلك أنهم وإن كانوا حرصين كل الحرص على أن يُنَجوا قومهم من عذاب الله تعالى في الدنيا وفي الآخرة، فإنهم ليسوا أوصياء عليهم ولم يوكلوا بتعذيبهم ولم يكلفوا باستئصال الطغاة منهم أو اغتيالهم، فبالرغم من بشاعة جرائمهم إلا أن الله تعالى يمهلهم، فلا ينزل عليهم عذابه