الصفحة 46 من 49

عجلة الإنتاج والتعمير الكوني بنظرة الإسلام المتفائلة، نظرة ستمد قوتها من السماء ينظر إليها الناس فيدب في قلوبهم التوكل على الله ويحيى فيها الأمل من جديد.

وفي قوله سبحانه (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) استكمال لمقومات الحياة الجديدة التي يستخلف الله فيها أناس آخرون، تعتمد قلوبهم على رب السماء، وتعمل جوارحهم في أسباب الأرض فتسلك دروبها وتضرب مجاريها، تلك الأرض التي مهدها الله تعالى وسواها ليستقر عليها الإنسان ويأوى فيها، ومنها يستخرج مأكله ومشربه وملبسه، كساها الله تعالى بالزرع والنبات وكأنها فرشت بالسجاد الأخضر، ليستشعر نعمة الله عليه، وقد مهد كل شيء حوله وسخره له.

وفي ذلك كذلك إشارة إلى الأساس الحضاري لرقي الأمم وتقدمها، فلا نهضة اقتصادية إلا بالزراعة، وبه تنهض سائر المجالات الأخرى للاقتصاد القومي، فبدونها، لن تقوم الصناعة ولا التجارة ولن يقوم للاقتصاد قائمة.

وفي قوله سبحانه (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ترتيب نتيجة على فرش الأرض بالزرع وتمهيدها للحياة، ليكون المستفيد الأول من تمهيد الأرض بالزراعة قطاع الإنتاج الحيوان، وبذلك تكتمل مقومات الحياة على الأرض، لتبدأ دورة الحياة من جديد مع أناس يستخلفهم الله تعالى في الأرض بدلا من أناس أهلكهم، يتذكرون نعمة الله تعالى عليهم فيشكرونها، ويتذكرون إهلاكه من قبلهم فلا يكفرون، يقول سبحانه (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) (القصص/82) .

وفي قوله تعالى (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) فعل أمر لتوجيه العناية بالأعمال القلبية وفي مقدمتها التوبة والإنابة إلى الله تعالى، وفي ذلك تحقيق التوازن بين السعي في الدنيا للإنتاج والتعمير، والتربية الإسلامية للجيل الجديد، فهما خطان متوازيان لا ينفصلان، وذلك هو التطبيق الحق لمنهج الله تعالى في الأرض، وذلك هو شرعه الذي شرعه لعباده المؤمنين، متجردين مما يثقل أرواحهم، وما يقيدها من شوائب، يقول صاحب الظلال: (وفي ظل هذه اللمسات القصيرة العبارة الهائلة المدى في أجواء السماء , وفي آماد الأرض وفي أعماق الخلائق، يهتف بالبشر ليفروا إلى خالق السماء والأرض والخلائق , متجردين من كل ما يثقل أرواحهم ويقيدها ; موحدين الله الذي خلق هذا الكون وحده بلا شريك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت