فهرس الكتاب
الله عليهم ونصر عبيده المخلصين فإن الفرصة لتعمير الكون وإصلاحه مواتية لكل من استخلفه الله تعالى في الأرض ليعمر فيها وينتج ويزرع، فكان لابد لأهل الحق الذي ثاروا على الباطل ولو كانوا فئة قليلة مثلما هو شأن المؤمنين مع نوح عليه السلام أن يعملوا لاستنهاض الأمة وأن يكون هذا هو همهم الشاغل، فإن نجحوا في زرع الأمل والتفاؤل في قلوب الناس وقاموا بإصلاح الأرض واستزراعها وقاموا بمشروعات الإنتاج الحيواني فإنهم يكونوا قد قدموا ما عليهم لاستنهاض الأمة من جديد، وتلك هي اللبنة الأولى لنهضة الأمة في سائر المجالات الأخرى.
ففي قوله تعالى (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) دعوة لإعادة التفكير في الكون من منظور جديد، انطلاقا من السماء الواسعة البناء الممتدة بلا عمد إلى غير منتهى، سبحان الله إنها إشارة كونية إلى وسع الله تعالى حتى لا يقنط الناس أبدا من رحمته سبحانه، فإذا كان رزقنا في السماء والسماء ووسعها بلا حد، فمن أين يأتي اليأس؟ إن الذين يتشاءمون ظنا منهم أن ثورات التطهير التي يجريها الله تعالى في هذا الكون بيد جنوده وخلقه الذين لا يعدون ولا يحصون يظنونها تعطل الإنتاج، وأن تلك الكوارث الطبيعية - وهي في الأصل سنن إلهية - تؤدي إلى فناء القرى والبلاد وتؤخر التقدم البشري، هذا كله غير صحيح، وإنما يستتبع دائما ثورات الهدم ثورات تصحيح لتعديل وتقويم منهج البشر، فقوم لوط حين استبدلوا الرجال بالنساء قاموا بمحاولة إفناء الجنس البشري اجتماعي ولو ترك لهم الأمر لفني فعلا، وكذلك فرعون وجنوده إذ كان يقتل الأبناء من بني إسرائيل ويستحيي النساء ويزعم أنه إلها ويتعبده قومه من دون الله، ولو استمر في ذلك لأضحى الشعب كله عبيدا لإله آخر غير الله سبحانه ولأضحى استرقاق القوي للضعيف قانونا عادلا، وكذلك قوم عاد وثمود لو ترك لهم الأمر لكان قانون سفك الدماء والعتو في الأرض والاستكبار هو الحاكم لهذا الكون ولما بقي للضعيف شيء ولن يملك أي حق طالما يوجد من يطغى على حقه ويتكبر عليه، وهؤلاء هم قوم نوح الذين ضربوا المثال في العناد والسلبية المفرطة التي اتسمت بالصمم عن سماع الحق لو ترك لهم الأمر لأضحى فسقهم سنة تتوارثها الأجيال.
أهذا الشذوذ والظلم والاستبداد والاستعلاء والطغيان والسلبية المفرطة يقيم دولة متحضرة تأخذ بأسباب الرزق لتنهض اجتماعيا وأخلاقيا واقتصاديا وفكريا؟ لا شك أنه لابد من بداية جديدة مع قوم قلوبهم معلقة بالله يأخذون بأسباب الرزق، ويسعون في الأرض، موقونون بأن الذي وسَّع السماء في بنائها قادر على أن يوسع علينا أرزاقنا، فكان لابد أن تشير الآيات لوسع السماء بعد هذا الإهلاك الإلهي للقوم المسرفين حتى تبدأ